المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٥
دمل يمتلي بالقيح و المدّة [١] و قد لا يحسّ صاحبه بألمه ما لم يتحرّك أو يمسّه غيره، فإن لم يكن له يد تمسّه أو عين تبصر صورته و لم يكن معه من يحرّكه ربما يظنّ بنفسه السّلامة و لم يشعر بالدّمل في نفسه و اعتقد فقده، و لكن لو حرّكه محرّك أو أصابه مشرط حجّام انفجر منه القيح و فار فوران الشيء المختنق إذا حبس عن الاسترسال، فكذلك القلب المشحون بالبخل و الحقد و الغضب و الحسد و سائر الأخلاق الذّميمة إنّما تنفجر منه خبائثه إذا حرّك، و عن هذا كان السالكون لطريق الآخرة الطالبون لتزكية القلوب يجرّبون أنفسهم، فمن كان يستشعر في نفسه كبرا كان يحمل قربة ماء على ظهره بين الناس، أو حزمة حطب على رأسه و يتردّد في الأسواق ليجرّب به نفسه فإنّ غوائل النفس و مكايد الشيطان خفيّة قلّما يتفطّن لها، و لذلك حكي عن واحد أنّه قال: أعدت صلاة ثلاثين سنة مع أنّي كنت أصلّيها في الصف الأوّل و لكن تخلّفت يوما لعذر فما وجدت موضعا في الصف الأوّل فوقعت في الصف الثاني فوجدت نفسي يستشعر خجلة من نظر الناس إليّ و قد سبقت إلى الصف الأوّل فعلمت أنّ جميع صلاتي كانت مشوبة بالرّياء و ممزوجة بلذّة نظر النّاس إليّ و رؤيتهم إيّاي في زمرة السابقين إلى الخير، فالمخالطة لها فائدة ظاهرة في استخراج الخبائث و إظهارها، و لذلك قيل: السفر يسفر عن الأخلاق فإنّه نوع من المخالطة الدائمة، و ستأتي غوائل هذه المعاني و دقائقها في ربع المهلكات فإنّ بالجهل بها يحبط العمل الكثير و بالعلم بها يزكو العمل القليل و لو لا ذلك لما فضل العلم على العمل إذ يستحيل أن يكون العلم بالصلاة و لا يراد إلّا للصّلاة أفضل من الصلاة فإنّا نعلم أنّ ما يراد لغيره فذلك الغير أشرف منه، و قد قضى الشرع بتفضيل العالم على العابد حتّى قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي» [٢] فمعنى تفضيل العلم يرجع إلى ثلاثة أوجه: أحدها ما ذكرناه، و الثاني
[١] المدة- بالكسر و تشديد الدال-: القيح و هي ما يجتمع في الجرح.
[٢] أخرجه الترمذي ج ١٠ ص ١٥٧ باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة من أبواب العلم من حديث أبي امامة و قد تقدم في المجلد الأول ص ١٦.
المحجة