المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١٤
يحضره للقتل، فقلت: لا أبرح من هاهنا حتّى أنظر إلى هذا الرّجل أيّ رجل هو، قال:
فأقبل راكبا على فرس و قد قام الناس صفّين يمنة الطريق و يسرتها ينظر إليه فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي و جعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع اللّه عنه شرّ المتوكّل فأقبل يسير بين الناس و هو ينظر إلى عرف دابّته لا يلتفت و أنا دائم الدّعاء له، فلمّا صار إليّ أقبل عليّ بوجهه و قال: استجاب اللّه دعاءك، و طوّل عمرك، و كثر مالك و ولدك، قال: فارتعدت و وقعت بين أصحابي فسألوني ما شأنك؟ فقلت: خير و لم أخبرهم، فانصرفنا بعد ذلك إلى أصفهان ففتح اللّه عليّ وجوها من المال حتّى أنّي أغلق بابي على ما قيمته ألف ألف درهم سوى مالي خارج داري، و رزقت عشرة من الأولاد و قد بلغت من عمري نيّفا و سبعين سنة و أنا أقول بإمامة هذا الّذي علم ما في قلبي و استجاب اللّه دعاءه لي.
و منه ما روي عن يحيى بن هرثمة قال: دعاني المتوكّل و قال: اختر ثلاثمائة رجل ممّن تريد و اخرجوا إلى الكوفة فخلفوا أثقالكم فيها و اخرجوا على طريق البادية إلى المدينة و أحضروا عليّ بن محمّد بن الرّضا إلى عندي مكرّما معظّما مبجّلا، قال: ففعلت و خرجنا و كان في أصحابي قائد من الشراة و كان لي كاتب متشيّع و أنا على مذهب الحشويّة و كان الشاري يناظر الكاتب و كنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق، فلمّا صرنا وسط الطريق قال الشاري للكاتب: أ ليس من قول صاحبكم عليّ بن أبي طالب: «ليس من الأرض بقعة إلّا و هي قبر أو سيكون قبرا» فانظر إلى هذه البريّة العظيمة أين من يموت فيها حتّى يملأها اللّه قبورا كما تزعمون؟ قال: فقلت للكاتب: أ هذا من قولكم؟ قال: نعم، فقلت: أين من يموت في هذه البريّة حتّى تمتلي قبورا و تضاحكنا ساعة إذا انخذل الكاتب في أيدينا و سرنا حتّى دخلنا المدينة فقصدت باب أبي الحسن عليه السّلام فدخلت إليه و قرأ كتاب المتوكّل فقال:
أنزلوا فليس من جهتي خلاف، فلمّا صرت إليه من الغد و كنّا في تموز أشدّ ما يكون من الحرّ فإذا بين يديه خيّاط و هو يقطع خفاتين [١]من ثياب غلاظ له و لغلمانه
[١] الخفتان ضرب من الثياب جمعه خفاتون و الكلمة من الدخيل.
المحجة