المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣١
حتّى تملّوا» [١] و هذا أمر لا يستغنى عنه فإنّ النّفس لا تألف الحقّ على الدّوام ما لم تروح، و في تكليفها الملازمة تنفير، و من يشادّ هذا الدّين يغلبه فإنّ الدّين متين و الإيغال فيه برفق [٢] دأب المستبصرين و لذلك قال ابن عبّاس: لو لا مخالفة الوسواس لم أجالس الناس، و قال مرّة: لدخلت بلادا لا أنيس بها. و هل يفسد الناس إلّا الناس؟ فلا يستغني المعتزل أبدا عن رفيق يستأنس بمشاهدته و محادثته في اليوم و اللّيلة ساعة، فليجتهد في طلب من لا يفسد في ساعته تلك عليه سائر ساعاته فقد قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» [٣] و ليحرص أن يكون حديثه عند اللّقاء في أمور الدّين، و حكاية أحوال القلب و شكواه و قصوره عن الثبات على الحقّ و الاهتداء إلى الرّشد ففي ذلك متنفّس و مستروح للنفس، و فيه مجال رحب لكلّ مشغول بإصلاح نفسه فإنّه لا ينقطع شكواه و لو عمّر أعمارا طويلة، و الراضي عن نفسه مغرور قطعا، فهذا النوع من الاستيناس في بعض أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة في حقّ بعض الأشخاص فليتفقّد فيه أحوال القلب و أحوال الجليس أوّلا ثمّ ليجالس
الفائدة الخامسة في نيل الثواب و إنالته،
أمّا النيل فبحضور الجنائز، و عيادة المرضى، و حضور العيدين، أمّا حضور الجمعة فلا بدّ منه، و حضور الجماعة في سائر الصلوات أيضا لا رخصة في تركه إلّا لخوف ضرر ظاهر يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة و يزيد عليه و ذلك لا يتّفق إلّا نادرا، و كذلك في حضور الاملاكات و الدّعوات ثواب من حيث إنّه إدخال سرور على قلب مسلم، و أمّا إنالته فهو أن يفتح الباب لتعوده الناس، أو ليعزّوه في المصائب، أو ليهنّئوه على النعم فإنّهم ينالون بذلك
[١] أخرجه مسلم ج ٢ ص ١٩٠، و الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٥٩ و قد مر سابقا من حديث عائشة و غيرها.
[٢] الايغال: الامعان و الاسراع، و الكلام إشارة إلى قوله عليه السلام: «ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق».
[٣] أخرجه أحمد ج ٢ ص ٣٠٠، و الحاكم ج ٤ ص ١٧١، و رواه الترمذي و أبو داود كلهم من حديث أبي هريرة و في الكافي ج ٢ ص ٢٤٢ مثله و قد مر.
المحجة