المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٣٠
يركبها ليسلك بها طريق الآخرة، و فيها شهوات إن لم يكسرها جمحت به في الطريق، فمن اشتغل طول عمره بالرّياضة كان كمن اشتغل طول عمر الدّابّة برياضتها و لم يركبها فلا يستفيد بها إلّا الخلاص في الحال من عضّها و فرسها و رمحها، و هي لعمري فائدة مقصودة و لكنّ مثلها حاصل من البهيمة الميّتة و الدّابّة تراد لفائدة تحصل من حياتها فكذلك الخلاص عن ألم الشّهوات في الحال يحصل بالنّوم و الموت فلا ينبغي أن يقنع بها كالرّاهب الّذي قيل له: يا راهب فقال: ما أنا براهب إنّما أنا كلب حبست نفسي حتّى لا أعقر الناس، و هذا حسن بالإضافة إلى من يعقر الناس و لكن ينبغي أن لا يقتصر عليه فإنّ من قتل نفسه أيضا لم يعقر الناس بل ينبغي أن يتشوّق إلى الغاية المقصودة لها، و من فهم ذلك و اهتدى إلى الطريق و قدر على السلوك استبان له أنّ العزلة أعون عليه من المخالطة و الأفضل لمثل هذا الشخص المخالطة أوّلا و العزلة آخرا.
و أمّا التأديب فإنّما نعني به أن يزجر غيره و هو حال المعلّم مع المتعلّم، و يتطرّق إليه من دقائق الآفات و الرّياء ما مرّ ذكره في كتاب العلم، فينبغي أن يقيس ما يتيسّر له من الخلوة بما يتيسّر له من المخالطة و تهذيب القوم و ليقابل إحداهما بالاخرى و ليؤثر الأفضل، و ذلك يدرك بدقيق الاجتهاد، و يختلف بالأحوال و الأشخاص، فلا يمكن الحكم عليه مطلقا بنفي و لا إثبات.
الفائدة الرابعة الاستيناس و الإيناس،
و هو غرض من يحضر الولائم و الدّعوات و مواضع المعاشرة و الانس و هذا يرجع إلى حظّ النّفس في الحال، و قد يكون ذلك على وجه حرام بمؤانسة من لا يجوز مؤانسته أو على وجه مباح و قد يستحبّ ذلك لأمر الدّين، و ذلك فيمن يستأنس بمشاهدة أحواله و أقواله في الدّين كالانس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى و قد يتعلّق بحظّ النفس و يستحبّ إذا كان الغرض منه ترويح القلب لتهييج دواعي النشاط في العبادة، فإنّ القلوب إذا أكرهت عميت، و مهما كان في الوحدة وحشة و في المجالسة انس يروح القلب فهي أولى إذ الرفق في العبادة من حزم العبّاد و لذلك قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللَّه لا يملّ
المحجة