المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٨
فإن أصاب في الجواب عنه لم يكن لنا اعتراض في أمره، و ظهر للخاصّة و العامّة سديد رأي أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، و إن عجز عن ذلك كفينا الخطب في معناه، فقال لهم المأمون: شأنكم و ذاك متى أردتم، فخرجوا من عنده و أجمع رأيهم على مسألة يحيى بن أكثم و هو يومئذ قاضي الزّمان على أن يسأله مسائل لا يعرف الجواب عنها، و وعدوه بأموال نفيسة على ذلك، و عادوا إلى أمير المؤمنين فسألوه أن يختار لهم يوما للاجتماع، فأجابهم إلى ذلك، فاجتمعوا في اليوم الّذي اتّفقوا عليه و حضر معهم يحيى بن أكثم و أمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر عليه السّلام دست، و يجعل له فيه مسورتان ففعل ذلك، و خرج أبو جعفر عليه السّلام و هو يومئذ ابن سبع سنين و أشهر فجلس بين المسورتين[١]و جلس يحيى بن أكثم بين يديه و قام النّاس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر عليه السّلام.
فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أ تأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ فقال له:
المأمون: استأذنه في ذلك، فأقبل عليه يحيى بن أكثم فقال: تأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ فقال له أبو جعفر عليه السّلام: سل إن شئت، قال يحيى: ما تقول جعلت فداك في محرم قتل صيدا؟ فقال له أبو جعفر عليه السّلام: قتله في حلّ أو حرم؟ عالما كان المحرم أو جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرّا كان المحرم أو عبدا؟ صغيرا كان أو كبيرا؟
مبتدئا بالقتل أو معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أو من غيرها؟ من صغار الصّيد كان أو من كبارها؟ مصرّا على ما فعل أو نادما؟ ليلا كان قتله للصيد أو نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرما؟ فتحيّر يحيى بن أكثم و بان في وجه العجز و الانقطاع و لجلج[٢]حتّى عرف جماعة أهل المجلس أمره، فقال المأمون:
الحمد للَّه على هذه النّعمة و التوفيق لي في الرّأي، ثمّ نظر إلى أهل بيته و قال لهم:
أ عرفتم الآن ما كنتم تنكرونه، ثمّ أقبل على أبي جعفر عليه السّلام فقال: اخطب يا أبا جعفر، قال: نعم يا أمير المؤمنين فقال له المأمون: اخطب جعلت فداك لنفسك فقد
[١] المسورة: متكأ من ادم.
[٢] أي تردد في الكلام.
المحجة