المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٩٧
المدينة، و كان متوفّرا على إكرامه و تعظيمه و إجلال قدره.
و عن الرّيّان بن شبيب قال: لمّا أراد المأمون أن يزوّج ابنته أمّ الفضل أبا جعفر محمّد بن عليّ عليهما السّلام بلغ ذلك العبّاسيّين فغلظ عليهم ذلك و استكبروه و خافوا أن ينتهي الأمر معه إلى ما انتهى مع الرّضا عليه السّلام فخاضوا في ذلك و اجتمع منهم أهل بيته الأدنون منه فقالوا: ننشدك اللّه يا أمير المؤمنين أن تقيم على هذا الأمر الّذي قد عزمت عليه من تزويج ابن الرّضا فإنّا نخاف أن تخرج عنّا أمرا قد ملّكناه اللّه و تنزع منّا عزّا قد ألبسناه، و قد عرفت ما بيننا و بين هؤلاء القوم قديما و حديثا و ما كان عليه الخلفاء الرّاشدون قبلك من تبعيدهم و تصغيرهم، و قد كنّا في وهلة[١]من عملك مع الرّضا ما عملت حتّى كفانا اللّه المهمّ من ذلك فاللّه اللّه أن تردّنا إلى غمّ قد انحسر عنّا و اصرف رأيك عن ابن الرّضا و اعدل إلى من تراه من أهل بيتك يصلح لذلك دون غيره فقال لهم المأمون: أما ما بينكم و بين آل أبي طالب فأنتم السبب فيه و لو أنصفتم القوم لكانوا أولى بكم و أمّا ما كان يفعله من قبلي بهم فقد كان قاطعا للرّحم أعوذ باللّه من ذلك، و و اللّه ما ندمت على ما كان منّي من استخلاف الرّضا، و قد سألته أن يقوم بالأمر و أنزعه من نفسي فأبى و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و أمّا أبو جعفر محمّد بن عليّ فقد اخترته لتبرّزه على كافّة أهل الفضل في العلم و الفضل مع صغر سنّه و الاعجوبة فيه بذلك و أنا أرجو أن يظهر للناس ما قد عرفته منه، فتعلموا أنّ الرأي ما رأيت فيه، فقالوا: إنّ هذا الفتى و إن راقك منه هديه[٢] فإنّه صبيّ لا معرفة له و لا فقه فأمهله ليتأدّب و يتفقّه في الدّين ثمّ اصنع ما تراه من بعد ذلك، فقال لهم: و يحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم، و إنّ هذا من أهل بيت علمهم من اللّه و موادّه و إلهامه لم يزل آباؤه أغنياء في علم الدّين و الأدب عن الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر بما يتبيّن لكم به ما وصفت من حاله، قالوا له: قد رضينا لك يا أمير المؤمنين و لأنفسنا بامتحانه، فخلّ بيننا و بينه لنصب من يسأله بحضرتك عن شيء من فقه الشريعة،
[١] اى فزعة.
[٢] راقه يروقه اى أعجبه و سره، و الهدى- بفتح الهاء-: الطريقة و السيرة.
المحجة