المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨٧
و منه ما رواه عن هرثمة بن أعين قال: و كان في خدمة الخليفة إلّا أنّه كان محبّا لأهل البيت إلى الغاية يأخذ نفسه بأنّه من شيعتهم و كان قائما بمصالح الرّضا عليه السّلام باذلا نفسه بين يديه، متقرّبا إلى اللّه تعالى بخدمته، قال: طلبني سيّدي الرّضا عليه السّلام، و قال: يا هرثمة إنّي مطّلعك على حالة تكون عندك سرّا لا تظهرها و أنا حيّ و إن أظهرتها حال حياتي كنت خصمك عند اللّه تعالى، فعاهدته أنّي لا أعلم بها أحدا ما لم تأمرني فقال: اعلم أنّي بعد أيّام آكل عنبا و رمّانا مفتوتا فأموت و يقصد الخليفة أن يجعل قبري و مدفني خلف قبر أبيه الرشيد و إنّ اللّه لا يقدره على ذلك فإنّ الأرض تشتدّ عليهم فلا يستطيع أحد حفر شيء منها، و إنّما قبري في بقعة كذا لموضع عيّنه، فإذا أنا متّ و جهّزت فأعلمه بجميع ما قلت لك و قل له:
يتأنّ في الصّلاة عليّ فإنّه يأتي رجل عربيّ متلثّم على بعير مسرع و عليه و عثاء السّفر فينزل عن بعيره و يصلّي عليّ فإذا صلّى عليّ و حملت فاقصد المكان الّذي عيّنته لك فاحفر شيئا يسيرا من وجه الأرض تجد قبرا معمولا في قعره ماء أبيض فإذا كشفته نضب الماء فهو مدفني فادفنّي فيه و اللّه و اللّه أن تخبر بهذا قبل موتي، قال هرثمة:
فو اللّه ما طالت الأيّام حتّى أكل عنبا و رمّانا كثيرا فمات و دخلت على الخليفة فوجدته يبكي عليه فقلت له: يا أمير المؤمنين عاهدني الرّضا على أمر أقوله لك، و قصصت عليه تلك القصّة الّتي قالها من أوّلها إلى آخرها و هو يعجب ممّا أقوله فأمر بتجهيزه فلمّا تجهّز تأنّى بالصّلاة عليه و إذا بالرّجل قد أقبل على بعير من الصّحراء مسرعا و لم يكلّم أحدا ثمّ دخل إلى جنازته فوقف و صلّى عليه فخرج و صلّى الناس عليه و أمر الخليفة بطلب الرّجل ففاتهم فلم يعلموا له خبرا ثمّ أمر الخليفة أن يحفر له قبرا خلف قبر أبيه الرّشيد فعجز الحافرون عن الحفر فذهب إلى موضع ضريحه الآن فبقدر ما كشف عن وجه الأرض ظهر قبر محفور كشفت عنه طوابيقه و إذا في قعره ماء أبيض كما قال، فأعلمت الخليفة به فحضر و أبصره على الصّورة الّتي ذكرها و نضب الماء و دفن فيه، و لم يزل الخليفة المأمون تعجّب من قوله و لم يزل عنه كلمة واحدة عمّا ذكره و ازداد تأسّفه عليه و كلّما خلوت في خدمته
المحجة