المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٨
غرض من أغراضهم كانوا أشدّ أعدائك ثمّ يعدّون تردّدهم إليك دالّة عليك و يرونه حقّا واجبا لديك، و يفرضون عليك أن تبذل عرضك و جاهك و دينك لهم فتعادي عدوّهم و تنصر قرينهم و خادمهم و وليّهم، و تنتهض لهم سفيها و قد كنت فقيها، و تكون لهم تابعا خسيسا بعد أن كنت متبوعا رئيسا، و لذلك قيل: اعتزال العامّة مروّة تامّة.
فهذا معنى كلامه و إن خالف بعض ألفاظه و هو حقّ و صدق فإنّك ترى المدرّس في رقّ دائم و تحت حقّ لازم و منّة ثقيلة ممّن يتردّد إليه، فكأنّه يهدى تحفة إليه فيرى حقّه واجبا عليه، و ربّما لا يختلف إليه ما لم يتكفّل برزق له على الإدرار، ثمّ المدرّس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله، فلا يزال يتردّد إلى أبواب السلاطين و يقاسي الذلّ و الشدائد مقاساة الذليل المهين حتّى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام، ثمّ لا يزال العامل يسترقّه و يستخدمه و يمتهنه و يستذلّه إلى أن يسلّم إليه ما يقدّره نعمة مستأنفة من عنده عليه، ثمّ يبقى في مقاساة القسمة على أصحابه، إن سوى بينهم مقته المبرّزون و نسبوه إلى الحمق و قلّة التمييز و القصور عن درك مصارفات الفضل و القيام في مقادير الحقوق بالعدل، و إن فاوت بينهم سلقه السفهاء بألسنة حداد، و ثاروا عليه ثوران الأساود و الآساد [١] فلا يزال في مقاساتهم في الدّنيا و في مظالم ما يأخذه و يفرّقه في العقبي، و العجب أنّه مع هذا البلاء كلّه تمنّيه نفسه بالأباطيل و تدلّيه بحل الغرور [٢] و تقول له: لا تفتر عن صنيعك فإنّما أنت بما تفعله مريد وجه اللَّه، و مذيع شرع رسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ناشر علم دين اللَّه، و قائم بكفاية طلّاب العلم من عباد اللَّه، و أموال السلاطين لا مالك لها و هي مرصدة للمصالح و أيّ مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم، فبهم يظهر الدّين و يتقوّى أهله و لو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى
[١] سلقه بالكلام آذاه، و الاساود جمع أسودة و هي الحية العظيمة السوداء تعرف بالحنش، و الاساد جمع أسد و هي نوع من السباع معروف.
[٢] دلاه بغرور أي أوقعه فيما أراد من الغرور.
المحجة