المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦٩
و مائة فنزلت القادسية، فبينا أنا أنظر إلى الناس في زينتهم و كثرتهم فنظرت إلى فتى حسن الوجه شديد السمرة ضعيف فوق ثيابه ثوب من صوف مشتمل بشملة في رجليه نعلان، و قد جلس منفردا، فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصوفيّة يريد أن يكون كلاّ على الناس في طريقهم، و اللّه لأمضينّ، إليه و لاوبّخنّه فدنوت منه فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ثمّ تركني و مضى فقلت في نفسي: إنّ هذا لأمر عظيم قد تكلّم بما في نفسي و نطق باسمي و ما هذا إلّا عبد صالح لألحقنّه و لأسألنّه أن يخالني[١]فأسرعت في أثره فلم ألحقه و غاب عن عيني، فلمّا نزلنا واقصة فإذا به يصلّي و أعضاؤه تضطرب و دموعه تجري فقلت:
هذا صاحبي أمضي إليه و أستحلّه فصبرت حتّى جلس و أقبلت نحوه فلمّا رآني مقبلا قال: يا شقيق اتل وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى ثمّ تركني و مضى فقلت: إنّ هذا الفتى لمن الأبدال قد تكلّم على سرّي مرّتين، فلمّا نزلنا زبالة إذا بالفتى قائم على البئر و بيده ركوة يريد أن يستقى ماء فسقطت الركوة من يده في البئر و أنا أنظر إليه فرأيته قد رمّق السماء[٢]و سمعته يقول:
أنت ربّي إذا ظمأت إلى الماء
و قوتي إذا أردت طعاما
اللّهمّ سيّدي مالي غيرها فلا تعدمنيها، قال شقيق: فو اللّه لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فمدّ يده و أخذ الركوة و ملأها ماء، فتوضّأ و صلّى أربع ركعات ثمّ مال إلى كثيب رمل فجعل يقبض بيده و يطرحه في الركوة و يحرّكه و يشرب، فأقبلت إليه و سلّمت عليه، فردّ عليّ السلام فقلت: أطعمني من فضل ما أنعم اللّه عليك، قال: يا شقيق لم تزل نعمة اللّه علينا ظاهرة و باطنة، فأحسن ظنّك بربّك، ثمّ ناولني الركوة، فشربت منها فإذا هو سويق و سكّر، فو اللّه ما شربت قطّ ألذّ منه و لا أطيب ريحا، فشبعت و رويت و أقمت أيّاما لا أشتهي طعاما و لا شرابا، ثمّ لم أره حتّى دخلنا مكّة فرأيته ليلة إلى جنب قبّة الميزاب في نصف اللّيل قائما يصلّي بخشوع و أنين
[١] يخالنى اى يتخذني خولا بعد ان انفرد، و الخول جمع خولي: العبيد و الاماء و الحاشية.
[٢] رمق ببصره نحوه اى نظر إليه شديدا.
المحجة