المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٦
بالعزلة، فإن تعلّم الفرض و كان لا يتأتّى منه الخوض في العلوم و رأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل، و إن كان يقدر على التبحّر في علوم الشرع و العقل، فالعزلة في حقّه قبل التعلّم غاية الخسران، و لهذا قال النخعيّ و غيره: تفقّه ثمّ اعتزل، و من اعتزل قبل التعلّم فهو في الأكثر مضيّع أوقاته بنوم أو فكر في هوس، و غايته أن يستغرق الأوقات بأوراد يستوعبها فلا ينفكّ في أعماله بالبدن و القلب عن أنواع من الغرور يخيب سعيه، و يبطل عمله من حيث لا يدري و لا ينفكّ في اعتقاده في اللَّه تعالى و صفاته عن أوهام يتوهّمها و يأنس بها و عن خواطر فاسدة تعتريه فيها، فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان و هو يرى نفسه من العبّاد فالعلم هو أصل الدّين فلا خير في عزلة العوام و الجهّال، أعني من لا يحسن العبادة في الخلوة و لا يعرف جميع ما يلزمه فيها، فمثال النفس مثال مريض يفتقر إلى طبيب متلطّف ليعالجه، فالمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلّم الطبّ تضاعف ضرره، لا محالة مرضه، فلا تليق العزلة إلّا بالعالم، و أمّا التعليم ففيه ثواب عظيم مهما صحّت نيّة المتعلّم و المعلّم، و مهما كان القصد إقامة الجاه و الاستكثار بالأصحاب و الأتباع فهو هلاك الدّين، و قد ذكرنا وجه ذلك في كتاب العلم، و حكم العالم في هذا الزّمان أن يعتزل إن أراد سلامة دينه، فإنّه لا يرى مستفيدا يطلب فائدة لدينه بل لا طالب إلّا لكلام مزخرف يستمال به العوام في معرض الوعظ أو لجدال معتقد موصل به إلى إفحام الأقران و يتقرّب به إلى السلطان و يستعمل في معرض المنافسة و المباهاة، و أقرب علم مرغوب فيه: المذهب و لا يطلب غالبا إلّا للتوصّل إلى التقدّم على الأمثال و تولّى الولايات و اجتلاب الأموال، و هؤلاء كلّهم يقتضي الدّين و الحزم الاعتزال عنهم، فإن صودف طالب للَّه و متقرّب بالعلم إلى اللَّه فأكبر الكبائر الاعتزال عنه و كتمان العلم منه، و هذا لا يصادف في بلد كبير أكثر من واحد أو اثنين أو ثلاثة إن صودف، و لا ينبغي أن يغترّ الإنسان بقول سفيان: تعلّمنا العلم لغير اللَّه، فأبى العلم أن يكون إلّا للَّه، و إنّ الفقهاء يتعلّمون لغير اللَّه ثمّ يرجعون إلى اللَّه فانظر إلى أواخر أعمار الأكثرين منهم و اعتبرهم أنّهم ماتوا و هم
المحجة