المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٢٤
فإنّ الدّاء أوّل ما تراه
يكون من الطعام أو الشراب
و قيل: أصل كلّ عداوة اصطناع المعروف إلى اللّئام.
و أمّا انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة جزيلة فإنّ من نظر إلى زهرة الدّنيا و زينتها تحرّك حرصه، و انبعث بقوّة الحرص طمعه، و لا يرى إلّا الخيبة في أكثر الأطماع فيتأذّى به، و مهما اعتزل لم يشاهد، و إذا لم يشاهد لم يشته و لم يطمع و لذلك قال تعالى: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ [١].
و قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «انظروا إلى من هو دونكم و لا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنّه أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه عليكم» [٢].
و قال عون بن عبد اللّه: كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما، كنت أرى ثوبا أحسن من ثوبي، و دابّة أفره من دابّتي، فجالست الفقراء و استرحت.
و حكي أنّ المزني خرج من باب جامع الفسطاط و قد أقبل ابن عبد الحكم في موكبه فبهره ما رأى من حاله و حسن هيئته فتلا قوله تعالى: وَ جَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ [٣] ثمّ قال: بلى أصبر و أرضى- و كان فقيرا مقلّا- فالّذي هو في بيته لا يبتلي بمثل هذه الفتنة فإنّ من شاهد زينة الدّنيا فإمّا أن يقوى دينه و يقينه فيصبر فيحتاج إلى أن يتجرّع مرارة الصبر- و هو أمرّ من الصبر- أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدّنيا فيهلك هلاكا مؤبّدا أمّا في الدّنيا فبالطّمع الّذي يخيب في أكثر الأوقات، فليس كلّ من يطلب الدّنيا يتيسّر له، و أمّا في الآخرة فبإيثاره متاع الدّنيا على ذكر اللَّه تعالى و التقرّب إليه و لذلك قال ابن الأعرابيّ:
إذا كان باب الذّل من جانب الغني
سموت إلى العليا من جانب الفقر
أشار إلى أنّ الطمع يوجب في الحال ذلّا.
[١] الحجر: ٨٨.
[٢] أخرجه أحمد و مسلم و الترمذي و ابن ماجه كلهم من حديث أبي هريرة بسند صحيح كما في الجامع الصغير.
[٣] الفرقان: ٢٣.
المحجة