المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٩
إلى كفره و قد يشاهدون من يخرج الصّلوات عن أوقاتها و لا ينفر عنه طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم مع أنّ صلاة واحدة يقتضي تركها الكفر عند قوم، و جزّ الرقبة عند قوم، و ترك الصّوم لا يقتضيه و لا سبب له إلّا أنّ الصّلاة تتكرّر و التساهل فيها ممّا يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب، و كذلك لو لبس الفقيه ثوبا من حرير أو خاتما من ذهب أو شرب من إناء فضّة استبعده النفوس و اشتدّ إنكارها و قد يشاهد في مجلس طويل لا يتكلّم إلّا بما هو اغتياب النّاس و لا يستبعد منه ذلك، و الغيبة أشد من الزّنا فكيف لا يكون أشدّ من لبس الحرير؟ و لكن كثرة سماع الغيبة و مشاهدة المغتابين أسقط عن القلوب وقعها و هوّن على النفوس أمرها.
فتفطّن لهذه الدّقايق و فرّ من الناس فرارك من الأسد فإنّك لا تشاهد منهم إلّا ما يزيد في حرصك على الدّنيا و غفلتك عن الآخرة و يهوّن عليك المعصية و يضعف رغبتك في الطاعة، فإن وجدت جليسا يذكّرك اللَّه صورته و سيرته فألزمه و لا تفارقه و اغتنمه و لا تستحقره فإنّها غنيمة العاقل و ضالّة المؤمن، و تحقّق أنّ الجليس الصّالح خير من الوحدة، و أنّ الوحدة خير من الجليس السوء، و مهما فهمت هذه المعاني و لاحظت طبعك و التفتّ إلى من أردت مخالطته لم يخف عليك أنّ الأولى التّباعد عنه بالعزلة أو التقرّب إليه بالخلطة، و إيّاك أن تحكم مطلقا على العزلة و الخلطة بأنّ إحداهما أولى، إذ كلّ مفصّل فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف محض، و لا حقّ في المفصّل إلّا التفصيل.
الفائدة الثالثة الخلاص من الفتن و الخصومات
و صيانة الدّين و النفس عن الخوض فيها و التعرّض لأخطارها و قلّما يخلو البلاد عن تعصّبات و فتن و خصومات، فالمعتزل عنهم في سلامة من ذلك.
قال عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: لمّا ذكر رسول اللَّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الفتن و وصفها و قال: «إذا رأيت الناس مرجت عهودهم و خفّت أماناتهم، و كانوا هكذا- و شبّك بين أصابعه- فقلت: و ما تأمرني؟ فقال: ألزم بيتك، و أملك عليك لسانك، و خذ ما
المحجة