المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٥
إلى سلطانهم فينتصف له، و قد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى أرض الصين و بها ملك فقدمتها مرّة و قد ذهب سمع ملكهم فجعل يبكي فقال له وزراؤه: مالك تبكي لا بكت عيناك؟ قال: أما إنّي لست أبكي على المصيبة الّتي نزلت بي و لكن أبكي لمظلوم بالباب يصرخ فلا أسمع صوته ثمّ قال: أما إن كان ذهب سمعي فلم يذهب بصري نودوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم، فكان يركب في طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه، هذا يا أمير المؤمنين مشرك باللّه قد غلبت رأفته بالمشركين و رقّته على شحّ نفسه في ملكه، و أنت مؤمن باللّه و ابن عمّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، لا تغلبنّك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك، فإنّك لا تجمع الأموال إلّا لواحد من ثلاثة إن قلت:
أجمعها لولدي فقد أراك اللّه عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمّه و ماله على الأرض مال و ما من مال إلّا و دونه يد شحيحة تحويه، فما يزال اللّه تعالى يلطف لذلك الصبيّ و الطفل حتّى يعظم رغبة الناس إليه و لست الّذي تعطي بل اللّه يعطي من يشاء، و إن قلت: أجمع مالي لاشيّد سلطاني فقد أراك اللّه عبرا فيمن كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذّهب و الفضّة و ما أعدّوا من الرجال و السلاح و الكراع و ما ضرّك و ولد أبيك ما كنتم فيه من قلّة الجدة و الضعف حتّى أراد اللّه بكم ما أراد، و إن قلت: أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية الّتي أنت فيها، ما فوق ما أنت فيه إلّا منزلة لا تدرك إلّا بالعمل الصالح[١]يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك بأشدّ من القتل؟
قال: لا قال: فكيف تصنع بالملك الّذي خوّلك اللّه و ما أنت فيه من ملك الدنيا و هو تعالى لا يعاقب من عصاه بالقتل و لكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم و هو الّذي يرى منك ما عقد عليه قلبك و أضمرته جوارحك فما تقول إذا انتزع الملك الحقّ المبين ملك الدّنيا من يدك، و دعاك إلى الحساب؟ هل يغني عنك عنده شيء ممّا كنت فيه ممّا شححت عليه من ملك الدّنيا؟
فبكى المنصور بكاء شديدا حتّى نحب و ارتفع صوته ثمّ قال: يا ليتني لم
[١] «ما فوق» «ما» نافيه و «فوق» ظرف مكان أي لم يكن فوق ما أنت فيه الا منزلة لا تدرك الا بالعمل الصالح.
المحجة