المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١٠
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عن هذه الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال عليه السّلام: و أمر بالمعروف و انه عن المنكر و اصبر على ما أصابك حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا و هوى متّبعا و إعجاب كلّ ذي رأي برأيه فعليك بنفسك و دع أمر العامّة. و صاحب الأمر بالمعروف يحتاج إلى أن يكون عالما بالحلال و الحرام، فارغا من خاصّة نفسه ممّا يأمرهم به و ينهاهم عنه، ناصحا للخلق رحيما لهم رفيقا بهم، داعيا لهم باللّطف و حسن البيان، عارفا بتفاوت أحلامهم لينزل كلاّ منزلته، بصيرا بمكر النفس و مكايد الشيطان، صابرا على ما يلحقه لا يكافيهم بها، و لا يشكو منهم، و لا يستعمل الحميّة، و لا يغلّظ لنفسه، مجرّدا نيّته للَّه مستعينا به و مبتغيا لوجهه، فإن خالفوه و جفوه صبر، و إن وافقوه و قبلوا منه شكر، مفوّضا أمره إلى اللّه ناظرا إلى عيبه».
و في التهذيب في باب من يجب عليه الجهاد في حديث عبد الملك بن عمرو عنه عليه السّلام [١] في كلام طويل ما يؤيّد هذا و ينفع في هذا المقام إن شاء اللّه تعالى.
و قال أبو حامد في درجات الحسبة: الدّرجة الثالثة النهي بالوعظ و النصح و التخويف باللّه و ذلك فيمن يقدر على الأمر و هو عالم بكونه منكرا أو فيمن أصرّ عليه بعد أن عرف كونه منكرا كالّذي يواظب على الشرب أو على الظلم أو على اغتياب المسلمين أو ما يجري مجراه فينبغي أن يوعظ و يخوّف باللّه تعالى و يورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد في ذلك، و يحكى له سيرة السلف و عادة المتّقين، و كلّ ذلك بشفقة و لطف من غير عنف و غضب، بل نظر إليه نظر المترحّم عليه و يرى إقدامه على المعصية مصيبة على نفسه إذ المسلمون كنفس واحدة و هاهنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقّاها فإنّها مهلكة و هي أنّ العالم يرى عند التعريف عزّ نفسه بالعلم و ذلّ غيره بالجهل فربّما يقصد بالتعريف الإدلال و إظهار التمييز بشرف العلم و إذلال صاحبه بالنسبة إلى خسّة الجهل، فإن كان الباعث هذا فهذا المنكر أقبح في نفسه من المنكر الّذي يعترض عليه، و مثال هذا المحتسب مثال من يخلّص غيره
[١] راجع المجلد الثاني منه ص ٤٦.
المحجة