المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١١
الباب الثاني في فوائد العزلة و غوائلها و كشف الحقّ في فضائلها
اعلم أنّ اختلاف الناس في هذا يضاهي اختلافهم في فضيلة النكاح و العزوبة و قد ذكرنا أنّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص بحسب ما فصّلناه من آفات النكاح و فوائده فكذلك القول في ما نحن فيه فلنذكر أوّلا فوائد العزلة و هي تنقسم إلى فوائد دينيّة و دنيويّة، و الدّينيّة تنقسم إلى تمكّن من تحصيل الطاعات في الخلوة بالمواظبة على العبادة و الفكر و تربية العلم، و إلى تخلّص من ارتكاب المناهي الّتي يتعرّض الإنسان لها بالمخالطة كالرّياء و الغيبة و السّكوت عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و مسارقة الطبع من الأخلاق الرديّة و الأعمال الخبيثة من جلساء السوء و أمّا الدّنيويّة فتنقسم إلى تمكّن من التحصيل بالخلوة كتمكّن المحترف في خلوته، و إلى تخلّص من محذورات يتعرّض لها بالمخالطة، كالنظر إلى زهرة الدّنيا و إقبال الخلق عليها، و طمعه في الناس و طمع الناس فيه، و انكشاف ستر مروّته بالمخالطة و التأذّي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنّه أو نميمته أو محاسدته أو التأذّي بثقله و تشويه خلقته، فإلى هذا يرجع
مجامع فوائد العزلة
فلنحصرها في ستّ فوائد.
الفائدة الأولى الفراغ للعبادة،
و الفكر، و الاستيناس بمناجاة اللَّه تعالى عن مناجاة الخلق، و الاشتغال باستكشاف أسرار اللَّه في أمر الدّنيا و الآخرة و ملكوت السماوات و الأرض فإنّ ذلك يستدعي فراغا و لا فراغ مع المخالطة فالعزلة وسيلة إليه و لهذا قال بعض الحكماء: لا يتمكّن أحد من الخلوة إلّا بالتمسّك بكتاب اللَّه عزّ و جلّ، و المتمسّكون بكتاب اللَّه هم الّذين استراحوا من الدّنيا بذكر اللَّه، و الذاكرون اللَّه باللّه، عاشوا بذكر اللَّه و ماتوا بذكر اللَّه، و لقوا اللّه بذكر اللَّه، و لا شكّ في أنّ هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر و الذكر فالعزلة أولى بهم، و لذلك كان صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ابتداء أمره يتبتّل في جبل حراء و ينعزل إليه حتّى قوي فيه نور النبوّة فكان الخلق لا يحجبه عن اللَّه، فكان ببدنه مع الخلق و بقلبه مقبلا على اللَّه، و لن
المحجة