المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ١٠
و قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «إنّ اللَّه يحبّ العبد التقيّ الخفيّ الغنيّ». [١] و في الاحتجاج بهذه الأحاديث نظر فأمّا قوله لعبد اللَّه بن عامر لا يمكن تنزيله إلّا ما عرفه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بنور النبوّة من حاله، و إنّ لزوم البيت كان أليق به و أسلم من المخالطة فإنّه لم يأمر جميع الصحابة بذلك و ربّ شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيت و أن لا يخرج في الجهاد، و ذلك لا يدلّ على أن ترك الجهاد أفضل، و في مخالطة الناس مجاهدة و مقاساة.
و لذلك قال صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: «الّذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم خير من الّذي لا يخالط النّاس و لا يصبر على أذاهم» [٢] و على هذا ينزل قوله صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم: [٣] «إنّ اللَّه يحبّ التقيّ الخفيّ» يريد إيثار الخمول و توقّي الشهرة و ذلك لا يتعلّق بالعزلة فكم من راهب معتزل يعرفه الناس، و كم من مخالط خامل لا ذكر له و لا شهرة، فهذا تعرّض لأمر لا يتعلّق بالعزلة.
و احتجّوا بما روي أنّه صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم قال لأصحابه: «ألا أنبّئكم بخير الناس؟
قالوا: بلى فأشار بيده نحو المغرب فقال: رجل أخذ بعنان فرسه في سبيل اللَّه ينتظر أن يغير أو يغار عليه، ألا أنبّئكم بخير الناس بعده؟ و أشار بيده نحو الحجاز و قال: رجل في غنمه يقيم الصّلاة و يؤتي الزكاة و يعلم حقّ اللَّه في ماله، اعتزل شرور الناس» [٤].
فإذا ظهر أنّ هذه الأدلّة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بدّ من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة، و غوائلها و مقايسة بعضها بالبعض ليتبيّن الحقّ فيها إن شاء اللَّه تعالى.
[١] أخرجه أحمد من حديث سعد بن أبي وقاص بسند صحيح كما في الجامع مع الصغير و في الاحياء «ان اللَّه يحب العبد التقى النقي الخفي» و أخرجه مسلم من حديث سعد كما في المغني.
[٢] أخرجه أحمد ج ٥ ص ٣٦٥ من حديث رجل من أصحاب النبي و قال الراوي:
أظنه ابن عمر.
[٣] زاد في الاحياء «رجل معتزل يعبد ربه و يدع الناس شره» فهذا إشارة إلى شرير بطبعه يتأذى الناس بمخالطته» و قوله صلّى اللَّه عليه و آله: «ان اللَّه يحب- إلخ-».
[٤] أخرجه الطبراني من حديث أم مبشر الا أنّه قال: نحو المشرق بدل المغرب (المغني).
المحجة