السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٠٢ - غزوة بني المصطلق
أمر وقع منه، فكتب إلى والده (رحمه اللّه تعالى) هذه الأبيات:
لا تقطعنّ عادة برّ و لا* * * تجعل عقاب المرء في رزقه
فإن أمر الإفك من مسطح* * * يحط قدر النجم من أفقه
و قد جرى منه الذي قد جرى* * * و عوتب الصدّيق في حقه
فكتب إليه والده (رحمه اللّه تعالى) هذه الأبيات:
قد يمنع المضطر من ميتة* * * إذا عصى بالسير في طرقه
لأنه يقوى على توبة* * * تكون إيصالا إلى رزقه
لو لم يتب مسطح من ذنبه* * * ما عوتب الصديق في حقه
و وصف اللّه تعالى الصديق بأولي الفضل موافق لوصفه (صلى اللّه عليه و سلم) له بذلك، فقد جاء أن عليا (كرم اللّه وجهه) دخل على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه جالس عن يمين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فتنحى أبو بكر عن مكانه و أجلس عليا (كرم اللّه وجهه) بينه و بين النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم)، فتهلل وجه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فرحا و سرورا. و قال «لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل».
و عنها رضي اللّه عنها «أنها قالت: لما استلبث الوحي عنه (صلى اللّه عليه و سلم)» أي أبطأ عليه و لم ينزل «استشار الصحابة، فقال له عمر رضي اللّه عنه: من زوّجها لك يا رسول اللّه؟ قال: اللّه تعالى، قال: أ فتظن أن اللّه دلس عليك فيها؟ سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) [النور: الآية ١٦]، فنزلت، و دعا علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) و أسامة بن زيد رضي اللّه عنهما ليستأمرهما في فراق أهله» أي تعني نفسها «فأما أسامة بن زيد، فقال: أهلك» أي الزم أهلك «يا رسول اللّه، و لا نعلم إلا خيرا. و أما علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) فقال: يا رسول اللّه لم يضيق اللّه عليك و النساء سواها كثير، و إنك لتقدر أن تستخلف» و في لفظ «قد أحل اللّه لك فطلقها و أنكح غيرها، و إن تسأل الجارية تصدقك» يعني بريرة رضي اللّه عنها، أي لأنها كانت تخدم عائشة إما قبل شرائها لها أو بعده و قبل عتقها لها كان بعد الفتح «فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة: و الذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا أغمصه» بالغين المعجمة و الصاد المهملة بينهما ميم مكسورة: أي أعيبه «عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن و هي الدابة التي تألف البيوت و لا تخرج للمرعى، و هي هنا الشاة «فتأكله».
و في لفظ «فدعا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) بريرة فسألها، فقام إليها عليّ (كرم اللّه وجهه) فضربها ضربا شديدا، و جعل يقول لها: أصدقي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فتقول: و اللّه ما أعلم