السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٩ - باب عرض رسول اللّه
كذا فدميت أصبعه فذكر البيت المذكور» و أراد بالغار غارا من الغيران لا هذا الغار كما توهم.
و جاء في الصحيحين عن جندب بن عبد اللّه «بينا نحن مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذ أصابه حجر فدميت أصبعه، فقال: هل أنت إلا إصبع دميت» .... البيت.
«أي و يقال إنه (صلى اللّه عليه و سلم) دعا تلك الشجرة و كانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار و أنها كانت مثل قامة الإنسان و بعث اللّه العنكبوت فنسجت ما بين فروعها» أي نسجا متراكما بعضه على بعض أي كنسج أربع سنين كما قال بعضهم.
و قد نسج العنكبوت أيضا على عبد اللّه بن أنيس رضي اللّه تعالى عنه لما قتل سفيان بن خالد و قطع رأسه و أخذها و دخل في غار في الجبل و كنّ فيه حتى انقطع عنه الطلب كما سيأتي. و نسج على نبي اللّه داود لما طلبه طالوت. و نسج أيضا على عورة سيدنا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنهم، و هو أخو الإمام محمد الباقر و عم الإمام جعفر الصادق، و هو الذي ينسب إليه الزيدية كان إماما مجتهدا، و كان ممن أخذ عن واصل بن عطاء الآخر عن الحسن البصري.
و لما أثبت ابن عطاء المنزلة بين المنزلتين أمره الحسن البصري باعتزال مجلسه، فقيل له معتزلي، و صار يقال لأصحابه معتزلة.
و لا يلزم من كون شيخ سيدنا زيد معتزليا أن يسلك زيد مسلكه. و صلب سيدنا زيد عريانا، و أقام مصلوبا أربع سنين، و قيل خمس سنين فلم تر عورته، و قيل إن بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها. و لا مانع من وجود الأمرين. و كان عند صلبه وجهوه إلى غير القبلة فدارت خشبته التي صلب عليها إلى أن صار وجهه إلى القبلة، أي و قد وقع لخبيب نحو ذلك كما سيأتي، ثم أحرقوا خشبة زيد و جسده و ذري رماده في الرياح على شاطئ الفرات، فإنه خرج على هشام بن عبد الملك و قد سمت نفسه للخلافة، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك، فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله و انصرف عنه أكثرهم.
فقد بايعه ناس كثير من أهل الكوفة و طلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر و عمر لينصروه، فقال: كلا، بل أتولاهما، فقالوا اذن نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة، فسموا بذلك من حينئذ رافضة. و جاءت إليه طائفة و قالوا: نحن نتولاهما و نبرأ ممن يبرأ منهما و قاتلوا معه فسموا الزيدية.
أقول: و العجب ممن يتمذهب بمذهب سيدنا زيد، و يتبرأ من الشيخين