السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٨ - باب عرض رسول اللّه
«و لما انتهيا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبي (صلى اللّه عليه و سلم): و الذي بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل رضي اللّه تعالى عنه فجعل يلتمس بيده كلما رأى حجرا قال بثوبه فشقه، ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه، فبقي جحر، و كان فيه حية فوضع عقبه عليه، ثم دخل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، ثم إن الحية التي في الجحر لما أحست بعقب سيدنا أبي بكر جعلت تلسعه و صارت دموعه تتحدر» قال ابن كثير: و في هذا السياق غرابة و نكارة «أي و قد كان (صلى اللّه عليه و سلم) وضع رأسه في حجر أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه و نام، فسقطت دموع أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال: ما لك يا أبا بكر؟ قال: لدغت» بالدال المهملة و الغين المعجمة «فداك أبي و أمي، فتفل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على محل اللدغة فذهب ما يجده» قال بعضهم: وقاه بعقبه فبورك في عقبه.
قالت بعضهم: و السر في اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رءوسهم تعظيما للحية التي لدغت أبا بكر في الغار، أي لأنهم يزعمون أن ذلك على صورة تلك الحية.
«و لما أصبح رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لأبي بكر: أين ثوبك؟ فأخبره الخبر» زاد في رواية «و أنه رأى على أبي بكر أثر الورم فسأل عنه، فقال: من لدغة الحية، فقال (صلى اللّه عليه و سلم):
هلا أخبرتني؟ قال: كرهت أن أوقظك فمسحه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فذهب ما به من الورم و الألم».
أي و يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما «و حين أخبره أبو بكر بذلك رفع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يديه و قال: اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة، فأوحى اللّه تعالى إليه: قد استجاب اللّه لك».
و روي أنه لما صار يسد كل جحر وجده أصاب يده ما أدماها، فصار يمسح الدم عن أصبعه و هو يقول:
هل أنت إلا أصبع دميت* * * و في سبيل اللّه ما لقيت
و سيأتي أن هذا البيت من كلام ابن رواحة. و قيل من كلامه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أنه يجوز أن يكون ابن رواحة ضم ذلك البيت لأبياته.
و مما قد يؤيد أن ذلك من كلامه (صلى اللّه عليه و سلم) ما ذكره سبط ابن الجوزي «أن أبا بكر لما لحقه (صلى اللّه عليه و سلم) في أثناء الطريق ظنه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) من الكفار فأسرع في المشي، فانقطع قبال نعله، ففلق إبهامه حجر فسال الدم، فرفع أبو بكر صوته ليعرفه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فعرفه».
و مما يصرح بذلك ما رأيت عن جندب البجلي قال «كنت مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في غار