السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٧ - باب عرض رسول اللّه
ركبها من منزل أبي بكر إلى الغار كما هو ظاهر الرواية.
و في الخصائص الكبرى عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما «لما تشاور المشركون في أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و أطلع اللّه نبيه على ذلك، فخرج تلك الليلة حتى أتى الغار، فلما أصبحوا اقتفوا أثره (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما بلغوا الجبل» الحديث، أي و هو مخالف لما تقدم من أن خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى الغار كان في الليلة الثانية لا في ليلة خروجه على قريش.
و قد يقال: لا منافاة، لأن قوله: حتى لحق بالغار غاية لمطلق الخروج من بيته لا في خصوص تلك الليلة، أي خرج من بيته و استمر على خروجه حتى لحق بالغار و ذلك في الليلة الثانية، لكن تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) جاء إلى بيت أبي بكر متقنعا في وقت الظهيرة فليتأمل.
و أعلم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عليا بخروجه إلى الهجرة و أمره أن يتخلف بعده حتى يؤدي عنه الودائع التي كانت عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) للناس، لأنه لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده (صلى اللّه عليه و سلم) لما يعلمون من أمانته، أي و لعل إعلام عليّ بذلك كان عند توجهه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى بيت أبي بكر، لأنه لم يثبت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) اجتمع بعلي رضي اللّه تعالى عنه بعد ذلك إلا في المدينة لكن سيأتي عن الدرّ ما يقتضي أنه اجتمع به عند خروجه من الغار.
و في الفصول المهمة «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وصى عليا رضي اللّه تعالى عنه بحفظ ذمته و أداء أمانته ظاهرا على أعين الناس، و أمره أن يبتاع رواحل للفواطم»: فاطمة بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، و فاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب و لمن هاجر معه من بني هاشم و من ضعفاء المؤمنين، و شراء علي رضي اللّه عنه الرواحل مخالف لما يأتي في الأصل «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل إلي عليّ حلة و أرسل يقول: تشقها خمرا بين الفواطم، و هي فاطمة بنت حمزة، و فاطمة بنت عتبة، و فاطمة أم علي، و فاطمة بنته (صلى اللّه عليه و سلم)» و إرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة فليتأمل.
قال في الفصول المهمة: و قال له: أي لعليّ «إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة الهجرة إلى اللّه و رسوله، و بقدوم كتابي عليك، و إذا جاء أبو بكر توجهه خلفي نحو بئر أم ميمون» و كان ذلك في فحمة العشاء، و الرصد من قريش قد أحاطوا بالدار ينتظرون أن تنتصف الليلة و تنام الناس، و دخل أبو بكر على عليّ و هو يظنه: أي و أبو بكر يظن عليا رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له علي: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خرج نحو بئر أم ميمون، و هو يقول لك: أدركني، فحلقه أبو بكر، و مضيا جميعا يتسايران حتى أتيا جبل ثور فدخلا الغار، فليتأمل الجمع بينه و بين ما تقدم.