السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٥١ - غزوة بني قريظة
و كان في بني قريظة الزبير بن بطا، و هو جد الزبير ابن ابنه عبد الرحمن و هو بفتح الزاي و كسر الباء الموحدة كاسم جده. و قيل بضم الزاي و فتح المثناة، و هو قول البخاري في التاريخ، و كان شيخا كبيرا، و كان قد منّ على ثابت بن قيس في الجاهلية يوم بغاث، و هي الحرب التي كانت بين الأوس و الخزرج قبل قدومه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة، و كان الظفر فيها للأوس على الخزرج آخرا كما تقدم أخذه فجزّ ناصيته، ثم خلى سبيله، فجاء ثابت رضي اللّه عنه للزبير، فقال له: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ قال: فهل يجهل مثلي مثلك، قال: إني أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إن الكريم يجزي الكريم، و أحوج ما كنت إليك اليوم. و عبد الرحمن هذا هو الذي تزوج امرأة رفاعة و شكته للنبي (صلى اللّه عليه و سلم) بأن الذي معه كهدبة الثوب و أحبت طلاقه لها.
ثم أتى ثابت رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللّه إنه كان للزبير عليّ منة، و قد أحببت أن أجزيه بها، فهب لي دمه، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): هو لك فأتاه، فقال: إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قد وهب لي دمك فهو لك فقال: شيخ كبير لا أهل له و لا ولد فما يصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي امرأته و ولده، فقال: هم لك، قال: فأتيته، فقلت: قد وهب لي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أهلك و ولدك فهم لك، فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ذلك؟ قال: فأتيت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فقلت: يا رسول اللّه ما له، قال: هو لك، فأتيته فقلت له: قد أعطاني رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) مالك فهو لك، فقال: أي ثابت، أما أنت فقد كافأتني، و قد قضيت الذي عليك، ما فعل بالذي كان وجهه مرآة مضيئة تتراءى منها عذارى الحي كعب بن أسد؟ أي سيد بني قريظة، قلت قتل، قال: فما فعل بسيد الحاضر و البادي: أي من يحملهم في الجدب، و يطعمهم في المحل حيي بن أخطب؟ قلت قتل. قال: فما فعل بمقدمتنا، بكسر الدال مشددة، إذا شددنا، و حامينا إذا فررنا عزال بالعين المهملة و تشديد الزاي ابن سموأل بالسين المهملة مفتوحة و مكسورة؟ قلت قتل، قال: فما فعل المجلسان بكسر اللام: محل الجلوس و بفتحها المصدر، يعني بني كعب بن قريظة و بني عمرو بن قريظة، قلت قتلا، و في لفظ قتلوا. قال: فإني أسألك يا ثابت بيدك عندي إلا ألحقتني بالقوم، فو اللّه ما بالعيش بعد هؤلاء من خير، أ أرجع إلى دار قد كانوا حلولا فيها فأخلد فيها بعدهم، لا حاجة لي، فما أنا بصابر للّه إفراغة دلو ناضح: أي مقدار الزمن الذي يفرغ فيه ماء الدلو. و في رواية: فتلة دلو ناضج بالفاء و التاء المثناة فوق، و قيل بالقاف و الباء الموحدة: أي مقدار ما يتناول المستسقي للدلو حتى ألقى الأحبة. قال ثابت: فقدمته فضربت عنقه.