السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤٩ - غزوة بني قريظة
معدودة لنزول الوفود من العرب.
و قيل في دار كبشة بنت الحارث بن كريز، كانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد اللّه بن عامر بن كريز، و هذه إنما نزل في دارها وفد بني حنيفة كما سيأتي و بالمتاع أن يحمل، و ترك المواشي هناك ترعى الشجر.
ثم غدا (صلى اللّه عليه و سلم) إلى المدينة، ثم خرج إلى سوق المدينة فخندق فيها خنادق: أي حفر فيها حفائر. ثم أمر بقتل كل من أنبت، فبعث إليهم فجاؤوا إليه أرسالا، تضرب أعناقهم و يلقون في تلك الخنادق. و قد قال بعضهم لسيدهم كعب بن أسيد: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: في كل موطن لا تعقلون، أ ما ترون أن من ذهب منكم لا يرجع؟ هو و اللّه القتل، قد دعوتكم إلى غير هذا فأبيتم عليّ قالوا ليس حين عتاب، فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). أي و ذلك ليلا على شعل السعف.
ثم ردّ عليهم التراب في تلك الخنادق، و عند قتلهم صاحت نساؤهم، و شقت جيوبها، و نشرت شعورها، و ضربت خدودها، و ملأت المدينة نواحا.
و كان من جملة من أتى معهم عدوّ اللّه حيي بن أخطب مجموعة يداه إلى عنقه بحبل. فلما نظر إليه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: أ لم يمكن اللّه منك يا عدوّ اللّه؟ قال بلى، أبي اللّه إلا تمكينك مني، أما و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك و لكنه من يخذل اللّه يخذل.
و في كلام السهيلي (رحمه اللّه) أنه (صلى اللّه عليه و سلم) لما قال له: أ لم يمكن اللّه منك فقال بلى، و لقد قلقنا كل مقلقل، و لكنه من يخذلك يخذل. فقوله يخذلك كقول الآخر في البيت:
و لكنه من يخذل اللّه يخذل
لأنه إنما نظم في البيت كلام حيي.
ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إنه لا بأس بأمر اللّه كتاب و قدر و ملحمة. أي قتال كتب اللّه على بني اسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه. قال: و لما أتي بكعب بن أسد سيد بني قريظة، قال له النبي (صلى اللّه عليه و سلم): يا كعب، قال نعم يا أبا القاسم، قال: ما انتفعتم بنصح ابن خراش لكم، و كان مصدّقا بي، أ ما أمركم باتباعي و إن رأيتموني تقرءوني منه السلام. قال: بلى و التوراة يا أبا القاسم، و لو لا أن تعيرني يهود بالجزع من السيف لاتبعتك، و لكنه على دين يهود. فأمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أن يقدم فيضرب عنقه ففعل به ذلك. أي و كان المتولي لقتلهم عليّ بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، و الزبير بن العوام رضي اللّه عنه.