السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤٤ - باب عرض رسول اللّه
و قد قال شعبة: لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحبّ إليّ من أن أقول حديثا عن أبان بن أبي عياش، و قال فيه مرة أخرى: لأن يزني الرجل خير من أن يروي عن أبان. و قد طلب من شعبة أن يكف عن أبان هذا، فقال: الأمر دين، و هذا يكذب على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم). و قد بين ابن حبان عذر أبان بأنه كان يروي عن أنس و أبان مجالس الحسن البصري فكان يسمع كلامه، فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعا و هو لا يعلم. و على تقدير صحة ما قاله لا منافاة أيضا، لأنها كانت من مال أبي بكر قبل أن يأخذها (صلى اللّه عليه و سلم) بثمنها.
على أن في الترمذي ما وافق ما رواه أبان. ففيه عن عليّ رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال (صلى اللّه عليه و سلم) «رحم اللّه أبا بكر، زوّجني ابنته، و حملني إلى دار الهجرة و صحبني في الغار، و أعتق بلالا من ماله».
قال: و هذا حديث غريب و اللّه أعلم.
و كان الثمن عن تلك الناقة التي هي القصواء، و قد عاشت بعده (صلى اللّه عليه و سلم)، و ماتت في خلافة أبي بكر رضي اللّه تعالى عنه أو الجدعاء أربعمائة درهم، أي لما علمت أن الناقتين اشتراهما أبو بكر بثمانمائة درهم.
و أما ناقته (صلى اللّه عليه و سلم) العضباء فقد جاء «أن بنته فاطمة رضي اللّه تعالى عنها تحشر عليها».
قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها «فجهزناهما أحب الجهاز» أي أسرعه.
و الجهاز: بكسر الجيم أفصح من فتحها. ما يحتاج إليه في السفر «و وضعنا لهما سفرة في جراب» أي زادا في جراب، لأن السفرة في الأصل الزاد الذي يصنع للمسافر، ثم استعمل في وعاء الزاد «و كان في السفرة شاة مطبوخة فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب أي و أبقت الأخرى نطاقا لها» و هو يوافق ما في صحيح مسلم عن أسماء رضي اللّه تعالى عنها أنها قالت للحجاج: بلغني أنك تقول أي لولدها عبد اللّه بن الزبير تعيره بابن ذات النطاقين، أما أنا و اللّه ذات النطاقين أما أحدهما فكنت أرفع به طعام رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و طعام أبي بكر الصديق رضي اللّه تعالى عنه، و أما الآخر فنطاق المرأة: أي الذي لا تستغني عنه، أي عند اشتغالها؛ لأن النطاق ما تشدّ به المرأة وسطها لئلا تعثر في ذيلها على ثوب يلقى على أسفله. و قيل النطاق إزار فيه تكة؛ و من ثم جاءت ذات النطاق: أي و كلاهما صحيح، لكن في لفظ «قطعت نطاقها قطعتين، فأوكت بقطعة منه فم الجراب، و شدّت فم القربة بالباقي»، أي فلم يبق لها شيء منه و يوافقه ما في البخاري عن أسماء: لم نجد لسفرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): أي لمحلها الذي هو الجراب و لا لسقائه أي الذي هو القربة ما نربطهما به، فقلت لأبي بكر: لا و اللّه ما أجد شيئا