السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٤١٣ - غزوة بني المصطلق
على مغفرة و رزق كريم، فغشي عليها من الفرح بذلك، لأنها كانت تقول متحدثة بنعمة اللّه عليها: لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة. لقد نزل جبريل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول اللّه أن يتزوجني. و لقد تزوجني بكرا و ما تزوج بكرا غيري. و لقد توفي و إن رأسه في حجري. و لقد قبر في بيتي و إن الوحي ينزل عليه في أهله فيفرقون منه، و إن كان لينزل عليه و أنا معه في لحاف واحد، و أبي رضي اللّه عنه خليفته و صديقه. و لقد نزلت براءتي من السماء، و لقد خلقت طيبة عن طيب. و لقد وعدت مغفرة و رزقا كريما».
قيل و في هذه الغزوة فقدت عائشة رضي اللّه عنها عقدها أيضا فاحتبسوا على طلبه، أي فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في طلبه رجلين من المسلمين أي أحدهما أسيد بن حضير، فحضرت الصلاة أي صلاة الصبح و كانوا على غير ماء. زاد في رواية:
و ليس معهم ماء فنزلت آية التيمم. و هذا القيل نقله إمامنا الشافعي رضي اللّه عنه عن عدة من أهل المغازي. أي و عليه يكون سقط عقدها في تلك الغزوة مرتين لاختلاف القضيتين باختلاف سياقهما.
و الصحيح أن ذلك كان في غزوة أخرى أي متأخرة عن هذه الغزوة. فعن عائشة رضي اللّه عنها قالت: لما كان من أمر عقدي ما كان و قال أهل الإفك ما قالوا، فخرجت مع النبي (صلى اللّه عليه و سلم) في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس التماسه الناس، أي فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) بعث رجالا في طلبه، و هو لا يخالف ما سبق أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أرسل في طلبه رجلين، و طلع الفجر، فلقيت من أبي بكر رضي اللّه عنه ما شاء اللّه، أي لأن الناس جاءوا لأبي بكر رضي اللّه عنه و شكوا إليه ما نزل بهم، فجاء إليها و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) واضع رأسه الشريف على فخذها قد نام، فقال لها: حبست رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و الناس و ليسوا على ماء و ليس معهم ماء، جعل يطعن بيده في خاصرتها و يقول: يا بنية في كل سفرة تكونين عناء و بلاء و ليس مع الناس ماء.
قالت: فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) على فخذي: أي لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان إذا نام لا يوقظه أحد حتى يكون هو يستيقظ، لأنهم لا يدرون ما يحدث له في نومه، فقال حين أصبح. و في لفظ: فاستيقظ و حضرت الصلاة فالتمس الماء فلم يجد فأنزل اللّه تعالى الرخصة بالتيمم. و في لفظ: فأنزل اللّه تعالى آية التيمم أي التي في المائدة. ففي بعض الروايات فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ [المائدة: الآية ٦] الآية.
و قيل المراد بالآية آية النساء، لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء، و آية النساء لا ذكر للوضوء فيها، فيتجه تسميتها بآية التيمم، و كلام الواحدي (رحمه اللّه) في أسباب النزول يدل عليه. فقال أبو بكر عند ذلك: و اللّه يا بنية إنك كما علمت مباركة، أي