السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٩ - باب عرض رسول اللّه
ثم إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) أذن له في الهجرة إلى المدينة، أي و أنزل اللّه تعالى عليه وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (٨٠) [الإسراء: الآية ٨٠] قال زيد بن أسلم: جعل اللّه عز و جل مدخل صدق المدينة، و مخرج صدق مكة و سلطانا نصيرا الأنصار.
و يعارضه ما جاء «أن عند رجوعه (صلى اللّه عليه و سلم) من تبوك إلى المدينة قال له جبريل: سل ربك، فإن لكل نبي مسألة، فقال: ما تأمرني أن أسأله؟ قال: قل رب أدخلني مدخل صدق و أخرجني مخرج صدق و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا، فأنزل اللّه تعالى عليه ذلك في رجعته من تبوك بعد ما ختمت السورة» أي إلا أن يدعى تكرار النزول «و عند الإذن له (صلى اللّه عليه و سلم) في الهجرة قال لجبريل: من يهاجر معي؟ قال جبريل: أبو بكر الصديق».
أي و من الغريب قول بعضهم: و من ذلك اليوم سماه اللّه تعالى صدّيقا، فقد تقدم أن تسميته بذلك كان عند تصديقه له (صلى اللّه عليه و سلم) عند إخباره بالإسراء، و عن صفة بيت المقدس.
و من الغريب أيضا ما في السبعيات «أن النبي (صلى اللّه عليه و سلم) تشاور مع أصحابه، فقال:
أيكم يوافق معي و يرافقني، فقد أمرني اللّه تعالى بالخروج من مكة إلى المدينة؟ فقال أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه: أنا يا رسول اللّه».
و يرده ما في السير «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) أتى أبا بكر ذات يوم ظهرا، فناداه فقال أخرج من عندك، فقال: يا رسول اللّه إنما هما ابنتاي يعني عائشة و أسماء رضي اللّه تعالى عنهما، قال شعرت: أي علمت أنه قد أذن لي في الهجرة؟ فقال: يا رسول اللّه الصحبة» أي أسألك الصحبة «فقال: أي رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) الصحبة» أي لك الصحبة عندي «فانطلقا» أي ليلا كما تقدم عن سيرة الدمياطي، لكن تقدم عنها أنه دخل بيت أبي بكر في ليلة خروجه من على فراشه؛ و أنه مكث ببيت أبي بكر إلى الليلة القابلة التي كان فيها خروجه (صلى اللّه عليه و سلم) إلى جبل ثور، فيحتاج إلى الجمع.
و قد يقال: إن مجيئه (صلى اللّه عليه و سلم) ظهرا كان قبل تلك الليلة، و مع خروجهما خرجا مستخفيين حتى أتيا الغار و هو بجبل ثور، فتواريا فيه.
و عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه (صلى اللّه عليه و سلم) قال عند خروجه من مكة أي متوجها إلى المدينة «و اللّه إني لأخرج منك و أني لأعلم أنك أحب بلاد اللّه إلى اللّه و أكرمها على اللّه، و لو لا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
أي و في رواية «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) وقف أي على راحلته بالحزورة و نظر إلى البيت و قال و اللّه إنك لأحب أرض اللّه إليّ و إنك لأحب أرض اللّه إلى اللّه و لو لا أن أهلك