السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٨ - باب عرض رسول اللّه
في تلك الليلة إلى بيت أبي بكر رضي اللّه عنه، فكان فيه إلى الليل: أي إلى الليلة المقبلة، ثم خرج هو و أبو بكر رضي اللّه تعالى عنه، ثم مضيا إلى جبل ثور كذا في سيرة الدمياطي ثم أي بعد اخبارهم بخروجه (صلى اللّه عليه و سلم) و وضعه التراب على رءوسهم جعلوا يطلعون فيرون عليا نائما على الفراش مسجى ببرد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)؛ فيقولون: و اللّه إن هذا محمد نائما عليه برده، فلم يزالوا كذلك، أي يريدون أن يوقعوا به الفعل، و اللّه مانع لهم من ذلك «حتى أصبحوا و اتضح النهار، فقام عليّ رضي اللّه تعالى عنه عن الفراش، فقالوا: و اللّه لقد صدقنا الذي كان حدّثنا، أي و لما قام عليّ رضي اللّه تعالى عنه سألوه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال لا علم لي به و في رواية: «فلما أصبحوا ساروا إليه يحسبونه النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، فلما رأوا عليا رضي اللّه تعالى عنه ردّ اللّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك؟ قال لا أدري، فأنزل اللّه تعالى قوله أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) [الطّور: الآية ٣٠] و أنزل اللّه عز و جل وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللَّهُ وَ اللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال: الآية ٣٠] كذا في الأصل تبعا لابن إسحاق، و لا يخفى أن الآية الثانية موفية بما ذكروه من المشاورة.
قال: و المانع من اقتحام الجدار عليه في الدار مع قصر الجدار و قد جاءوا لقتله، أنهم هموا بذلك فصاحت امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم و هتكنا ستر حرمنا انتهى.
أقول: لا يخفى أن هذا لا يناسب ما قدمناه عن بعضهم أنهم إنما أرادوا قتله (صلى اللّه عليه و سلم) عند طلوع الفجر ليظهر لبني هاشم قاتلوه فلا يثبوا عليه لئلا يتسور الجدار، إلا أن يقال إرادة ذلك منهم كانت عند طلوع الفجر، و وجود الأسباب المانعة لهم من الوثوب عليه لا ينافي أن المانع لهم عن الوثوب عليه الذي جاءوا بصدده و هم مائة رجل من صناديد قريش، إنما هي حماية اللّه تعالى الموجبة لخذلانهم و إظهار عجزهم، و في ذلك تصديق لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) حيث قال لعلي «لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم» على ما تقدم، و المراد بقول بعضهم: كان المشركون يرمون عليا يظنون أنه النبي (صلى اللّه عليه و سلم) يرمونه بأبصارهم لا بنحو حجارة أو نبل كما لا يخفى.
فإن قيل: هلا نام (صلى اللّه عليه و سلم) على فراشه؟ قلنا لو فعل ذلك لفات، إذ لا لهم بوضع التراب على رءوسهم و إظهار حماية اللّه تعالى له بخروجه عليهم و لم يبصره أحد منهم. و في رواية «أنهم تسوروا عليه (صلى اللّه عليه و سلم) و دخلوا شاهرين سيوفهم، فثار علي في وجوههم فعرفوه، فقالوا: هو أنت أين صاحبك؟ فقال: لا أدري» و هذا مخالف لما تقدم، فلينظر الجمع بناء على صحة هذا.
و في لفظ: «أمروه بالخروج فضربوه و أدخلوه المسجد و حبس به ساعة ثم خلوا عنه» و اللّه أعلم.