السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٦٩ - غزوة ذات الرقاع
كنت أقرأ في سورة: أي في سورة الكهف فكرهت أن أقطعها.
و في لفظ: جعل (صلى اللّه عليه و سلم) شخصين من أصحابه يقال هما عباد بن بشر من الأنصار و عمار بن ياسر من المهاجرين في مقابلة العدو، فرمى أحدهما بسهم فأصابه و نزفه الدم و هو يصلي، و لم يقطع صلاته بل ركع و سجد و مضى في صلاته، ثم رماه بثان و ثالث و هو يصيبه و لم يقطع صلاته أي و هو عباد بن بشر كما تقدم. و قد قال عباد اعتذارا عن إيقاظ صاحبه: لو لا أني خشيت أن أضيع ثغرا أمرني به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ما انصرفت و لو أتى على نفسي.
أقول: و بهذه الواقعة استدل أئمتنا على أن النجاسة الحادثة من غير السبيلين لا تنقض الوضوء، لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) علم ذلك و لم ينكره.
و أما كونه صلى مع الدم فلعلّ ما أصاب ثوبه و بدنه منه قليل؛ و لا ينافي ذلك ما تقدم في الرواية قبل هذه «فلما غلبه الدم» إذ يجوز مع كونه كثيرا أنه لم يصب ثوبه و لا بدنه إلا القليل منه و اللّه أعلم.
و يقال إن رجلا من القوم: أي و هو غورث بالغين المعجمة مكبرا على الأشهر و قيل غويرث بالتصغير و المهملة ابن الحارث، قال لهم: أ لا أقتل لكم محمدا، قالوا بلى، و كيف تقتله؟ قال: أفتك به أي أجيء إليه على غفلة، فجاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و سيفه في حجره، فقال: يا محمد أرني أنظر إلى سيفك هذا؟ فأخذه من حجره فاستله، ثم جعل يهزه و يهمّ فيكبته اللّه: أي يخزيه، ثم قال: يا محمد ما تخافني؟ قال: لا بل يمنعني اللّه تعالى منك، ثم دفع السيف إليه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخذه (صلى اللّه عليه و سلم) و قال: من يمنعك مني؟
فقال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا اللّه و أني رسول اللّه، قال: أعاهدك على أني لا أقاتلك، و لا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، سبيله فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس، و أسلم هذا بعد، و كانت له صحبة.
و في رواية: جاء إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و هو جالس و سيفه في حجره، فقال: يا محمد انظر إلى سيفك هذا؟ قال نعم، فأخذه فاستله، ثم جعل يهزه، ثم قال: يا محمد أ ما تخافني؟ قال: لا، و ما أخاف منك، قال: و في يدي السيف؟ قال: لا، يمنعني اللّه تعالى منك، ثم غمد سيف رسول اللّه فرده عليه.
و هذه واقعة غير واقعة دعثور المتقدمة في غزوة ذي أمر، فهما واقعتان:
أحدهما مع دعثور، و الثانية مع غورث، فقول أصله و الظاهر أن الخبرين واحد فيه نظر ظاهر فليتأمل.
قال: و في رواية: لما قفل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) راجعا إلى المدينة أدركته القائلة يوما