السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٣٢٥ - غزوة أحد
و أصاب كعب بن مالك رضي اللّه عنه سبعة عشر جراحة. و في رواية عشرون جراحة قال عاصم بن عمر بن قتادة: كان عندنا رجل غريب لا ندري ممن هو، أي يظهر الإسلام يقال له قزمان، و كان ذا بأس و قوة، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إذا ذكر يقول إنه لمن أهل النار، فلما كان يوم أحد قاتل قزمان قتالا شديدا أي فكان أول من رمى من المسلمين بسهم، و كان يرمي النبال كأنها الرمال ثم فعل بالسيف الأفاعيل فكان يكت كتيت الجمل. و قتل ثمانية أو تسعة من المشركين. و لما أخبر (صلى اللّه عليه و سلم) بذلك قال إنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، و أثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، لأنه كان حليفا لهم فجعل رجال من المسلمين يقولون: و اللّه لقد ابتليت اليوم يا قزمان فأبشر، فيقول بما ذا أبشر؟ فو اللّه: ما قاتلت إلا على أحساب قومي: أي على شرفهم و مفاخرهم: أي مناصرة لهم، و لو لا ذلك ما قاتلت: أي فلم يقاتل لإعلاء كلمة اللّه و رسوله و قهر أعدائهما.
أي و في رواية أن قتادة رضي اللّه عنه قال له: هنيئا لك الشهادة يا أبا الغيداق؟
فقال إني و اللّه ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلا على الحفاظ أن تسير إلينا قريش حتى تطأ أرضنا، فلما اشتدت عليه الجراحة أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه: أي قطع به عروقا في باطن الذراع يقال لها الزواهق: أي و في رواية: فجعل ذباب سيفه في صدره أي بين ثدييه كما في رواية ثم تحامل عليه حتى قتل نفسه.
قال في النور: و هو الصحيح، و لا مانع أن يكون فعل كلا من الأمرين، أي و عند ذلك جاء رجل إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و قال أشهد أنك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، قال: و ما ذاك؟ قال:
الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أصحاب النار فعل كذا و كذا.
و قد جاء: سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن الرجل يقاتل شجاعة و يقاتل حمية و يقاتل رياء، أي ذلك في سبيل اللّه؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «من يقاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه» فنص عليه، و حينئذ قال فيه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس و هو من أهل النار، و إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس و هو من أهل الجنة».
ففيه إشارة إلى باطن الأمر قد يكون بخلاف ظاهره. و قال (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» أي و قد أشار إلى هذا الإمام السبكي (رحمه اللّه تعالى) في تائيته بقوله:
و قلت لشخص يدعي الدين إنه* * * بنار فألقى نفسه للمنية
هذا و في كلام ابن الجوزي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال «شهدنا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) خيبر، فقال لرجل ممن يدّعي الإسلام: هذا من أهل النار، فلما حضرنا القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل: يا رسول اللّه، الرجل