السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٧ - باب عرض رسول اللّه
إليه (صلى اللّه عليه و سلم) و استأذنوه في الهجرة: أي فمكث أياما لا يأذن لهم، ثم قال لهم: أريت دار هجرتكم، أريت سبخة ذات نخل بين لابتين و هما الحرتان، و لو كانت السراة أرض نخل و سباخ لقلت هي هي» و السراة بفتح السين: أعظم جبال بلاد العرب «ثم خرج إليهم مسرورا، فقال: قد أخبرت بدار هجرتكم و هي يثرب، فأذن لهم، و قال: من أراد أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا إليها أرسالا» أي متتابعين «يخفون ذلك» أي و في رواية «أريت في المنام أني هاجرت من مكة إلى أرض بها نخل؛ فذهب و هلي» أي و همي «إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب».
و في الترمذي عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) «إن اللّه أوحى إليّ: أي هؤلاء الثلاثة نزلت هي دار هجرتك المدينة، أو البحرين، أو قنسرين» قال الترمذي، هذا حديث غريب، و زاد الحاكم «فاختار المدينة».
أقول: فيه أن هذا السياق المتقدم يدل على أن استئذانهم في الهجرة عبارة عن خروجهم من مكة لا لخصوص المدينة، و أن عدم إذنه (صلى اللّه عليه و سلم) لهم في الهجرة لعدم تعيين المحل الذي يهاجرون إليه له (صلى اللّه عليه و سلم)، و كل ذلك لا يناسب ما تقدم في حديث المعراج من قول جبريل له «صليت بطيبة و إليها المهاجرة».
و قد يجاب بأنه يجوز أن يكون (صلى اللّه عليه و سلم) أنسي قول جبريل المذكور حينئذ ثم تذكره بعد ذلك في قوله «قد أخبرت بدار هجرتكم» إلى آخره.
و فيه أن هذا لا يحسن بعد مبايعته (صلى اللّه عليه و سلم) للأوس و الخزرج على مناصرته و محاربة عدوّه مع علمه بأن وطنه المدينة، و كونهم يبايعونه على مناصرته مع كونه ساكنا في البحرين أو قنسرين في غاية البعد.
على أنه سيأتي في غزوة بدر «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خشي أن الأنصار لا ترى مناصرته إلا في المدينة» أي فإن في بعض الروايات «و على أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب» و اللّه أعلم.
و قبل الهجرة «آخى (صلى اللّه عليه و سلم) بين المسلمين» أي المهاجرين «على الحق و المواساة، فآخى بين أبي بكر و عمر رضي اللّه عنهما، و آخى بين حمزة و زيد بن حارثة، و بين عثمان و عبد الرحمن بن عوف، و بين الزبير و ابن مسعود، و بين عبادة بن الحارثة و بلال، و بين مصعب بن عمير و سعد بن أبي وقاص، و بين أبي عبيدة بن الجراح و سالم مولى أبي حذيفة، و بين سعيد بن زيد و طلحة بن عبيد اللّه، و بين عليّ و نفسه (صلى اللّه عليه و سلم)، و قال: أ ما ترضى أن أكون أخاك؟ قال: بلى يا رسول اللّه رضيت، قال:
فأنت أخي في الدنيا و الآخرة» قال: و أنكر العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين سيما مؤاخاة النبي (صلى اللّه عليه و سلم) لعليّ رضي اللّه تعالى عنه، قال: لأن المؤاخاة بين المهاجرين