السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٦ - باب عرض رسول اللّه
أجير لجبير بن مطعم تجارة، و أمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، و للحارث بن حرب بن أمية: أي و هو أخو أبي سفيان، و الأول أسلم بعد الحديبية، و الثاني لا يعلم له إسلام، فقال: و يحك فاهتف باسم الرجلين، ففعلت، فخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد، فقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح يهتف باسمكما، فقالا: من هو؟ قال: يقول إنه سعد بن عبادة، فجاءا فخلصاني من أيديهم ا ه.
و عن سعد: بينا أنا مع القوم أضرب إذ طلع عليّ رجل أبيض وضيء شعشاع:
أي طويل زائد الحسن حلو من الرجال، فقلت في نفسي: إن يكن عند أحد من القوم خير فعند هذا، فلما دنا مني رفع يديه و لكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي و اللّه ما عندهم بعد هذا خير، أي و هذا الرجل سهيل بن عمرو رضي اللّه تعالى عنه؛ فإنه أسلم بعد ذلك.
فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام، أي إظهارا كليا و تجاهروا، و إلا فقد تقدم أن الإسلام فشا فيهم قبل قدومهم لهذه البيعة، و كان عمرو بن الجموح و هو من سادات بني سلمة بكسر اللام و أشرافهم و لم يكن أسلم، و كان ممن أسلم ولده معاذ بن عمرو و كان لعمرو في داره صنم أي من خشب يقال له المناة لأن الدماء كانت تمنى: أي تصب عنده تقرّبا إليه، و كان يعظمه، فكان فتيان قومه ممن أسلم كمعاذ بن جبل و ولده عمرو بن معاذ و معاذ بن عمرو، يدلجون بالليل على ذلك الصنم فيطرحونه أي و لعله بعد إخراجه من داره في بعض الحفر التي فيها خرء الناس منكسا، فإذا أصبح عمرو قال: ويحكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يعود يلتمسه؛ حتى إذا وجده غسله، فإذا أمسى عدوا عليه و فعلوا به مثل ذلك، إلى أن غسله و طيبه و حماه بسيف علقه في عنقه، ثم قال له: ما أعلم من يصنع بك، فإن كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك، فلما أمسى عدوا عليه و أخذوا السيف من عنقه، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل، ثم ألقوه في بئر من آبار بني سلمة فيها خرء الناس، فلما أصبح عمرو غدا إليه فلم يجده، ثم تطلبه إلى أن وجده في تلك البئر، فلما رآه كذلك رجع إلى عقله، و كلمه من أسلم من قومه، فأسلم و حسن إسلامه، و أنشد أبياتا منها:
و اللّه لو كنت إلها لم تكن* * * أنت و كلب وسط بئر في قرن
أي حبل.
«و أمر (صلى اللّه عليه و سلم) من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة، أي لأن قريشا لما علمت أنه (صلى اللّه عليه و سلم) آوى: أي استند إلى قوم أهل حرب و تحمل ضيقوا على أصحابه؛ و نالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه من الشتم و الأذى، و جعل البلاء يشتد عليهم، و صاروا ما بين مفتون في دينه، و بين معذب في أيديهم، و بين هارب في البلاد شكوا