السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٨ - باب غزوة بدر الكبرى
و عن عكرمة مولى ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما قال «قال أبو رافع مولى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب» أي ثم وهبه العباس له (صلى اللّه عليه و سلم) و سيأتي الكلام عليه في السرايا، و كان العباس رضي اللّه تعالى عنه أسلم و أسلمت زوجته: أي أم الفضل، قيل إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة كما تقدم، و هي أم أولاده، و هم: عبد اللّه؛ و عبيد اللّه، و عبد الرحمن، و الفضل، و قثم، و معبد، و أمّ حبيب.
قيل رآها (صلى اللّه عليه و سلم) و هي تدب بين يديه فقال: إن بلغت و أنا حي تزوجتها فقبض (صلى اللّه عليه و سلم) قبل أن تبلغ قال ابن الجوزي: فليس في الصحابيات من كنيتها أم الفضل إلا زوج العباس، قال أبو رافع: و أسلمت أنا و كنا نكتم الإسلام أي لأن العباس كان يكره خلاف قومه، لأنه كان ذا مال كثير و أكثره متفرق فيهم، أي و سيأتي الجواب عن كونه أسر و أخذ منه الفداء مع كونه مسلما، و سيأتي أنه لم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح.
فلما جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر سرّنا ذلك، فو اللّه إني لجالس إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشر حتى جلس عندنا، فبينا هو جالس إذ قدم أبو سفيان بن الحارث و كان مع قريش في بدر، فقال له أبو لهب: هلمّ إلي عندك الخبر، فقال:
و اللّه ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا و يأسروننا كيف شاءوا، و أيم و اللّه ما لمت الناس، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء و الأرض، و اللّه ما يقوم لها شيء، قال أبو رافع: فقلت و اللّه تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة و ثاورته: أي و أثبته: أي قام كل للآخر فاحتملني و ضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، فقامت أم الفضل إلى عمود و ضربته به ضربة في رأسه أثرت شجة منكرة، و قالت: استضعفته أن غاب سيده، تعني العباس، فقام موليا ذليلا، فو اللّه ما عاش إلا سبع ليال حتى رمي بالعدسة: أي ما عاش صحيحا قبل أن يرمى بالعدسة إلا سبع ليال: أي و هي بثرة تشبه العدسة من جنس الطاعون، قتلته، فلم يحفروا له حفيرة و لكن أسندوه إلى الحائط و قذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه، أي لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها، و يرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه و بقي بعد موته ثلاثة أيام لا تقرب جنازته و لا يحاول دفنه حتى أنتن، فلما خافوا السبة: أي سب الناس لهم في تركه فعلوا به ما ذكر.
و في رواية: حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفيرته و قذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه. و عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها «أنها كانت إذ مرت بموضعه، ذلك غطت وجهها».