السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥٣ - باب غزوة بدر الكبرى
لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال: الآية ٤١] و الأربعة أخماس الباقية للمقاتلة، أي فكان ذلك الخمس يخمس خمسة أخماس:
واحد له (صلى اللّه عليه و سلم) يفعل فيه ما أحب، و الأربعة من ذلك الخمس لمن ذكر في الآية، و الأربعة الأخماس الباقية تكون للمقاتلة.
و سيأتي في سرية عبد اللّه بن جحش لنخلة «أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خمس العير الذي جاء به عبد اللّه كذلك، فجعل خمس ذلك للّه، و أربعة أخماسه للجيش» و قيل عبد اللّه هو الذي خمسها كذلك، و أقرّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك، و هي أول غنيمة في الإسلام و أوّل غنيمة خمست، فكان تخميسها قبل نزول الآية، لما علمت أن نزول تلك الآية كان بعد بدر فهي من الآيات التي تأخرت تلاوتها عن حكمها، قال بعضهم: و كان ابتداء تحليل الغنائم لهذه الأمة في وقعة بدر كما ثبت في الصحيحين، و ذلك في قوله تعالى فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [الأنفال: الآية ٦٩] فأحل الغنيمة لهم.
أقول: و فيه أن هذا قد يعين القول بأنه (صلى اللّه عليه و سلم) وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر، و يضعف ما سبق من أنه (صلى اللّه عليه و سلم) خمسها، أو أن عبد اللّه هو الذي خمسها قبل بدر، و أقرّه (صلى اللّه عليه و سلم) على ذلك، و قد علمت أن ما أصابه من بدر قسمة بين المسلمين سواء أي لم يتميز فيه أحد عن أحد، الراجل مع الراجل و الفارس مع الفارس سواء، و فيه تفضيل الفارس على الراجل في ذلك اليوم، و سيأتي التصريح بذلك، و هذا يؤيد القول بأن الجيش كان فيه خمسة أفراس أو فرسان، دون القول بأنه لم يكن فيه إلا فرس واحد على ما تقدم، حتى هو (صلى اللّه عليه و سلم) كان سهمه كسهم واحد منهم، أي كفارس منهم بناء على ما تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) كان له فرسان إلا ما اصطفاه و هو سيفه ذو الفقار كما سيأتي، و حينئذ يكون قول سعد بن أبي وقاص رضي اللّه عنه «يا رسول اللّه أ تعطي فارس القوم الذي يغيظهم مثل ما تعطي الضعيف» أراد بالفارس فيه القوي.
ففي مسند الإمام أحمد، قال سعد بن أبي وقاص «قلت: يا رسول اللّه الرجل يكون حاجته للقوم يكون سهمه و سهم غيره سواء، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) ثكلتك أمك، و هل تنصرون إلا بضعفائكم» و ما في مسند الإمام أحمد يدل على أن مراد سعد بالفارس القوي لمقابلته في هذه الرواية بالضعيف، فلا ينافي أنه أعطى الفارس لفرسه سهمين و له سهم كالراجل.
و قد أسهم لمن لم يحضر، كمن أمره (صلى اللّه عليه و سلم) بالتخلف لعذر منعه من الحضور كعثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه، فإنه (صلى اللّه عليه و سلم) خلفه لأجل مرض زوجته رقية بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) كما تقدم، أو لما كان به رضي اللّه تعالى عنه من الجدري على ما تقدم، و لهذا عدّ من البدريين، و أبي لبابة لأنه (صلى اللّه عليه و سلم) خلفه على أهل المدينة، و عاصم بن عدي فإنه خلفه على أهل قباء و العالية، و لمن أرسله لكشف أمر العدوّ يتجسس خبره فلم