السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٥ - باب عرض رسول اللّه
«و عند ذلك قال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): ارفضّوا» و في لفظ «انفضوا إلى رحالكم».
أقول: و في رواية «لما بايع الأنصار بالعقبة صاح الشيطان من رأس الجبل: يا معشر قريش هذه بنو الأوس و الخزرج تحالف على قتالكم، ففزعوا: أي الأنصار عند ذلك، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لا يروعكم هذا الصوت، فإنما هو عدوّ اللّه إبليس و ليس يسمعه أحد مما تخافون».
و لا مانع من اجتماع صراخ إزب العقبة و صراخ إبليس الذي هو أبو الجن.
و يجوز أن يكون المراد بعدو اللّه إبليس إزب العقبة، لأنه من الأبالسة و إنه أتى باللفظين معا، و قد حضر البيعة جبريل كما تقدم.
فعن حارثة بن النعمان رضي اللّه تعالى عنه «لما فرغوا من المبايعة قلت: يا نبي اللّه، لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض أنكرته قائما على يمينك قال: و قد رأيته؟
قلت: نعم، قال: ذاك جبريل» و اللّه أعلم.
ثم إن الحديث نما و سمع المشركون من قريش بذلك: أي و في كتاب الشريعة أن الشيطان لما نادى بما ذكر شبه صوته بصوت منبه بن الحجاج، فنال عمرو بن العاص ما نال أبو جهل، قال عمرو: ذهبت أنا و هو إلى عتبة بن ربيعة فأخبره بصوت منبه بن الحجاج فلم يرعه ما راعنا، و قال: هل أتاكم فأخبركم بهذا منبه؟ قلنا لا، فقال: لعله إبليس الكذاب الحديث. و فيه طول و أمور مستغربة.
و لا ينافي سماع عمرو و أبي جهل صوت إبليس قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «ليس يسمعه أحد مما تخافون» لأن سماعهما لم يحصل منه خوف لهم «و عند فشوّ الخبر جاء أجلتهم و أشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار، فقالوا يا معشر الأوس و الخزرج، و في رواية:
يا معشر الخزرج أي بالتغليب بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا و تبايعوه على حربنا، و اللّه ما من حي أبغض إلينا أن نشب الحرب بيننا و بينه منكم، فصار مشركو الأوس و الخزرج يحلفون لهم ما كان من هذا شيء و ما علمناه:
أي حتى أن أبيّ ابن سلول جعل يقول هذا باطل، و ما كان هذا و ما كان قومي ليفتاتوا عليّ بمثل هذا، لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني» و صدقوا لأنهم لم يعلموه كما علم مما تقدم: أي و نفر الناس من منى و بحثت قريش عن خبر الأنصار فوجدوه حقا، فلما تحققوا الخبر اقتفوا آثارهم فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة و المنذر بن عمرو، فأما سعد فأمسك و عذب في اللّه، و أما المنذر فأفلت ثم أنقذ اللّه سعدا من أيدي المشركين، قال: نقل عنه أنه قال: لما ظفروا بي ربطوا يدي في عنقي، فلا زالوا يلطموني على وجهي و يجذبوني بجمتي: أي و كان ذا شعر كثير حتى أدخلوني مكة، فأومأ إليّ رجل أي و هو أبو البختري بن هشام، مات كافرا و قال: ويحك ما بينك و بين أحد من قريش، جوار و لا عهد، قال: بلى، قد كنت