السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٤٤ - باب غزوة بدر الكبرى
و فيه أن قوله و نحن مشركان يدل على أنه كان مسلما عند تحديثه لابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما.
و قد جاء عن ابن عباس رضي اللّه عنهما «أن الغمام الذي ظلل بني إسرائيل في التيه هو الذي يأتي اللّه تعالى فيه يوم القيامة، و هو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر.
أي و عن علي رضي اللّه تعالى عنه «هبت ريح شديدة ما رأيت مثلها قط ثم جاءت أخرى كذلك، ثم جاءت أخرى كذلك، ثم جاءت أخرى كذلك، فكانت الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة» أي لعلها أمامه أخذا من قوله «و كانت الثانية ميكائيل، نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و كانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)» و في ذلك سكوت عن الرابعة، أي زاد في الإمتاع «و كان إسرافيل وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة».
و ظاهر هذا أن كلا من جبريل و ميكائيل قاتل، و تقدم أنهم في هذه الغزاة التي هي غزاة بدر قيل لم يمدوا إلا بألف من الملائكة، و رواية ألفين ضعيفة جاءت عن علي رضي اللّه تعالى عنه، فتكون هذه الرواية التي جاءت عن علي أيضا كذلك، و لا نظر لما تقدم عن بعضهم أن إمدادهم يوم بدر بثلاثة آلاف أولا، و أنهم و عدوا أن يمدوا بخمسة آلاف إن ثبتوا و صبروا و هو ما عليه الأكثر، لما علمت أن ذلك إنما كان في أحد، و سيأتي ذلك مع زيادة. قال بعضهم: و لم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر، أي و في غيره يكونون مددا من غير مقاتلة، و سيأتي أنهم قاتلوا يوم أحد و يوم حنين.
ففي مسلم عن سعد بن أبي وقاص «أنه رأى عن يمين رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و عن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل و لا بعد، يعني جبريل و ميكائيل (عليهما السلام)، يقاتلان كأشد القتال».
قال الإمام النووي (رحمه اللّه): فيه أن قتال الملائكة لم يختص بيوم بدر، و هذا هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه، فإن هذا صريح في الرد عليه.
أقول: يمكن الجمع بأن المختص ببدر قتال الملائكة عنه و عن أصحابه، و في غيره كان عنه (صلى اللّه عليه و سلم) خاصته، فلا منافاة؛ ثم رأيتني ذكرت هذا الجمع في غزوة أحد عن البيهقي، و تعقبته بما جاء أن الملائكة قاتلت في ذلك اليوم عن عبد الرحمن بن عوف. و على تسليم ورود ذلك فيه أنهم لو قاتلوا يوم أحد لظهر أثر قتلهم كما ظهر في يوم بدر.