السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٧ - باب غزوة بدر الكبرى
جهل بصق في وجه ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه و قال له خذ سيفي الخ، ينافي كونه وصل إلى حركة المذبوح، إلا أن يقال يجوز أن يكون في أول الأمر كان كذلك ثم تراجعت إليه روحه حتى قدر على ما ذكر فليتأمل، مع ما يأتي.
قيل و بهذا أي بحمل رأس أبي جهل إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يردّ على الزهري قوله:
لم يحمل إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) رأس قط و لا يوم بدر و حمل رأس لأبي بكر رضي اللّه عنه فأنكره. و يجاب بأن البيهقي (رحمه اللّه) قال: ما روي من حمل رأس أبي جهل قد تكلم في ثبوته و بتقدير صحته فهو من محل إلى محل لا من بلد إلى بلد، أي من بلد الكفر إلى دار الإسلام: أي الذي أنكره أبو بكر رضي اللّه عنه، فإنه أنكر نقل الرأس من بلد الكفر إلى بلد الإسلام.
و قد جوّزه من أئمتنا الماوردي و الغزالي إذا كان في ذلك مكايدة للكفار. و في النور: تحصلنا على جماعة حملت رءوسهم إليه (صلى اللّه عليه و سلم): أبو جهل، و سفيان بن خالد، و كعب بن الأشرف، و مرحب اليهودي، و الأسود العنسي على ما روي، و عصماء بنت مروان، و رفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة: أي و رأس عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعيته (صلى اللّه عليه و سلم) و شق شفته السفلى يوم أحد كما سيأتي.
و في وضع ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه رجله على عنق أبي جهل و قطع رأسه تصديق لتعبيره للرؤيا التي رآها لأبي جهل و قال له: إن صدقت رؤياي لأطأنّ رقبتك و لأذبحنك ذبح الشاة.
و في رواية أن ابن مسعود رضي اللّه عنه وجده مقنعا في الحديد و هو منكب لا يتحرك فرفع سابغة البيضة: أي الخوذة عن قفاه لأن سابغة البيضة ما يغطى بها العنق، و من ثم يقال بيضة لها سابغ، فضربه فوقع رأسه بين يديه.
و عن ابن مسعود كما في المعجم الكبير للطبراني: انتهيت إلى أبي جهل و هو صريع و عليه بيضة و معه سيف جيد و معي سيف رديء فجعلت أنقف رأسه و أذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة، فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال: على من كانت الدبرة؟ أ لست برويعينا بمكة؟ فقتله ثم سلبه، فلما نظر إليه إذ هو ليس به جراح، و إنما هي أحدار:
أي أورام في عنقه و يديه و كتفيه كهيئة آثار السياط: أي آثار سود كسمة النار: أي ليس به جراح من جراح الآدميين داخل بدنه، فلا ينافي ما تقدم من قطع ابن الجموح لرجله.
و يجوز أن يكون ضرب ابن عفراء له حتى أثبته لم ينشأ عنه جراحة داخل بدنه، فأتى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبره، فقال: ذاك ضرب الملائكة، أي فإن الملائكة (عليهم السلام) كانت لا تعلم كيف قتل الآدميين فعلمهم اللّه تعالى ذلك بقوله تعالى فَاضْرِبُوا فَوْقَ