السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢٣٩ - باب غزوة بدر الكبرى
لك فأولى ثم أولى لك فأولى» أي وعيدا على وعيد «فقال: ما تستطيع أنت و لا ربك بي شيئا، و إني لأعز من مشى بين جبليها، فأنزل اللّه تعالى فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى (٣١) وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) [القيامة: الآيات ٣١- ٣١] و قيل نزلت كالتي قبلها في عدي بن ربيعة لما سأل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عن أمر القيامة فأخبره به، فقال: لو عاينت هذا اليوم لم أصدقك، أو يجمع اللّه هذه العظام؟ فأنزل اللّه تعالى أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) [القيامة: الآية ٣] الآيات، و اللّه أعلم.
و عن قتادة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قال «إن لكل أمة فرعونا و إن فرعون هذه الأمة أبو جهل، قتله اللّه شر قتله» بكسر القاف الهيئة. قتلته الملائكة، و في لفظ قتله ابن عفراء و قتلته الملائكة، و قد ذففه: أي أجهز عليه ابن مسعود و ابن عفراء هذا يجوز أن يكون هو معاذ بن عمرو بن الجموح. و يجوز أن يكون أخاه معاذ بن الحارث، و كونه قتله لأنه أزال منعته كما تقدم.
و في مسلم عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، نظرت عن يميني و عن شمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل بن هشام؟ قلت نعم، و ما حاجتك به؟ قال: بلغني أنه كان يسب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، و الذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده: أي شخص شخصه حتى يموت الأعجل منا: أي الأقرب أجلا، فغمزني الآخر فقال مثلها، فعجبت لذلك، أي لحرص كل منهما على ذلك و إخفائه عن صاحبه ليكون المختص به فلم أنشب: أي ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس: أي بالزاي يتحول من محل إلى محل آخر، فقلت لهما أ لا تريان؟
هذا صاحبكما الذي تسألان عنه، فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه أي أشرفا به على القتل فصيراه إلى حركة مذبوح، ثم انصرفا إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فأخبراه، فقال أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما أنا قتلته، قال: هل مسحتما سيفيكما؟ قال لا، فنظر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) في السيفين، فقال كلاكما قتله، و قضى بسلبه: أي ما عدا سيفه لهما، فلا ينافي ما سبق من اعطائه لابن مسعود رضي اللّه عنه، و هما معاذ بن عمرو بن الجموح و معاذ ابن عفراء بن الحارث، فهما: أي معاذ بن عمرو بن الجموح و معاذ بن الحارث ابنا عفراء، غاية الأمر أن الأول اشتهر بأبيه عمرو بن الجموح، و الثاني اشتهر بأمه التي هي عفراء.
و قول الحافظ ابن حجر: إن معاذ بن عمرو بن الجموح ليس اسم أمه عفراء يجوز أن يكون مستنده في ذلك مقابلة ابن الجموح بابن عفراء في كلامهم المقتضي ذلك، لأن يكون ابن الجموح ليس ابن عفراء.
و لا يشكل على ذلك ما في النور نقلا عن الإمام النووي، أن عمرو بن