السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ٢١٣ - باب غزوة بدر الكبرى
«ثم خرج رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) يبادرهم» أي يسابق قريشا إلى الماء «فسبقهم عليه، حتى جاء أدنى ماء من بدر» أي أقرب ماء إلى بدر من بقية مياهها «فنزل به (صلى اللّه عليه و سلم)، فقال له الحباب بن المنذر، يا رسول اللّه أ رأيت هذا المنزل أ منزل أنزلكه اللّه تعالى ليس لنا أن نتقدمه و لا نتأخر عنه، أم هو الرأي و الحرب و المكيدة؟ قال: بل هو الرأي و الحرب و المكيدة، قال: يا رسول اللّه إن هذا ليس بمنزل؛ فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم» أي إذا نزل القوم: يعني قريشا كان ذلك الماء أقرب المياه، أي محله أقرب المياه إليهم. قال الحباب: فإني أعرف غزارة مائة و كثرته بحيث لا ينزح، فننزله ثم نغور ما عداه من القلب: أي و هي الآبار غير المبنية، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء فنشرب و لا يشربون؛ لأن القلب كلها حينئذ تصير خلف ذلك القليب، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): لقد أشرت بالرأي، و نزل جبريل (عليه السلام) على النبي (صلى اللّه عليه و سلم) فقال: الرأي ما أشار إليه الحباب، فنهض رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) و من معه من الناس، فسار حتى أتى أدنى ماء من القوم» أي من المحل الذي ينزل به القوم «فنزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت» بسكون الواو.
و قال السهيلي: لما كانت القلب عينا جعلها كعين الإنسان، و يقال في عين الإنسان غرتها فغارت، و لا يقال غورتها أي بالتشديد «و بنى (صلى اللّه عليه و سلم) حوضا على القليب الذي نزل به فملأه ماء، ثم قذفوا فيه الآنية، و من يومئذ قيل للحباب ذو الرأي» و ظاهر كلام بعضهم أنه كان معروفا بذلك قبل هذه الغزاة.
و فيه أن ذلك القليب إذا كان خلف ظهورهم و سائر القلب خلفه ما المعنى في تغويرها لأنها إذا لم تغورهم يشربون و لا يشرب القوم. إلا أن يقال: المعنى لئلا يأتوا إليها من خلفهم، فالغرض قطع أطماعهم من الماء، فليتأمل، و استدل بقوله (صلى اللّه عليه و سلم) «بل هو الرأي» على جواز الاجتهاد له (صلى اللّه عليه و سلم) في الحرب نظرا لصورة السبب أو مطلقا لأن صورة السبب لا تخصص، و جواز الاجتهاد له مطلقا هو الراجح.
و مما استدل به على وقوع الاجتهاد له (صلى اللّه عليه و سلم) في الأحكام قوله «إلا الإذخر» عقب ما قيل له إلا الإذخر. قال السبكي: و ليس قاطعا، لاحتمال أن يكون أوحي إليه في تلك اللحظة.
هذا، و في كلام بعضهم أنهم نزلوا على ذلك القليب نصف الليل فصنعوا الحوض و ملئوه و قذفوا فيه الآنية بعد أن استقوا منه، و سيأتي ما يؤيده.
«و قال سعد بن معاذ: يا نبي اللّه أ لا نبني عريشا» أي و هو شيء كالخيمة من جريد يستظل به «تكون فيه و نعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا اللّه تعالى و أظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، و إن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي اللّه ما نحن بأشد لك حبا منهم