السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٥٣ - باب بدء الأذان و مشروعيته
للمشركين بمكة و جوابا لأهل الكتاب بالمدينة، و قال قبل ذلك إنها إنما نزلت بالمدينة.
و في دعوى تكرر نزولها يقال: حيث سئل أولا و نزلت جوابا كيف يتوقف ثانيا عند السؤال الثاني حتى يحتاج إلى نزولها مع بعد نسيان ذلك له (صلى اللّه عليه و سلم).
ثم رأيت عن البرهان: قد ينزل الشيء مرتين، تعظيما لشأنه و تذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه، و هو كما ترى لا يدفع التوقف. و كان من أعلم أحبار يهود عبد اللّه بن سلام بالتخفيف: و كان قبل أن يسلم اسمه الحصين، فلما أسلم سماه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) عبد اللّه و كان من ولد يوسف الصديق: أي و قد أثنى اللّه تعالى عليه في قوله تعالى وَ شَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:
الآية ١٠] و كان من يهود بني قينقاع كما تقدم. جاء إلى النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و سمع كلامه، أي في أول يوم دخل فيه رسول اللّه دار أبي أيوب أي و لعل الذي سمعه من النبي (صلى اللّه عليه و سلم)، هو قوله «يا أيها الناس أفشوا السلام، و صلوا الأرحام، و أطعموا الطعام، و صلوا بالليل و الناس نيام تدخلوا الجنة بسلام».
فعنه رضي اللّه تعالى عنه، قال «لما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة انجفل إليه الناس» أي بالجيم: أسرعوا «فكنت ممن أتى إليه» أي و هذا يدل على أنه جاءه في قباء و سيأتي «قال: فلما رأيت وجهه (صلى اللّه عليه و سلم) عرفت أنه وجه غير كذاب» أي لأن صورته و هيئته و سمته (صلى اللّه عليه و سلم) تدل العقلاء على صدقه، و أنه لا يقول الكذب، قال عبد اللّه «فسمعته (صلى اللّه عليه و سلم) يقول: أيها الناس إلى آخره».
أي و لا مانع أن يكون ذلك تكرر منه (صلى اللّه عليه و سلم)، و عند ذلك قال: أشهد أنك رسول اللّه حقا، و أنك جئت بحق ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا، و كتمت إسلامي من اليهود، ثم جئته (صلى اللّه عليه و سلم)، أي في بيت أبي أيوب و قلت له لقد علمت اليهود أني سيدهم و ابن سيدهم، و أعلمهم و ابن أعلمهم، فأخبئني يا رسول اللّه قبل أن يدخلوا عليك، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت، فإنهم قوم بهت» أي بضم الباء و الهاء «يواجهون الإنسان بالباطل، و أعظم قوم عضيهة» أي كذبا، «و إنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ، و خذ عليهم ميثاقا أني إن أتبعتك و آمنت بكتابك أن يؤمنوا بك و بكتابك الذي أنزل عليك، فأرسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) إليهم فدخلوا عليه، فقال لهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): يا معشر يهود ويلكم اتقوا اللّه، فو اللّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول اللّه حقا، و أني جئتكم بحق، أسلموا، قالوا ما نعلم، فأعاد ذلك عليهم ثلاثا و هم يجيبونه كذلك، قال فأي رجل فيكم ابن سلّام؟ قالوا: ذاك سيدنا و ابن سيدنا، و أعلمنا و ابن أعلمنا» و في رواية «خيرنا و ابن خيرنا» بالخاء المعجمة و الياء المثناة تحت أفعل تفضيل، و قيل بالمهملة و الياء