السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٩ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و ردّ بأن الحديث الدال على ذلك صحيح، و العصمة إنما وجبت لهم في عقولهم و أديانهم و أما أبدانهم فيبتلون فيها، و السحر إنما أثر في بعض جوارحه (صلى اللّه عليه و سلم) فقد تقدم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها من ذكرها ما أنكر (صلى اللّه عليه و سلم) من بصره لكن تقدم أنه (صلى اللّه عليه و سلم) صار يخيل له أنه يفعل الشيء و لا يفعله، و هذا متعلق بالعقل.
ثم رأيت أبا بكر العربي قال: لم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه (صلى اللّه عليه و سلم) أمر، و إنما هذا اللفظ زيد في الحديث لا أصل له.
قال: و مثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبا و استجرارا إلى القول و إبطال معجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و القدح فيها؛ و أنه لا فرق بين معجزات الأنبياء عليهم الصلاة و السلام و بين فعل السحرة، و أن جميعه من نوع واحد هذا كلامه.
و ممن كان حريصا على رد الناس عن الإسلام أيضا شاس بن قيس، كان شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم. مر يوما على الأنصار الأوس و الخزرج و هم مجتمعون يتحدّثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة، فقال: قد اجتمع بنو قيلة، و اللّه ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر فتى شابا من يهود، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم؛ ثم اذكر يوم بعاث: أي أيوب الحرب الذي كان بينهم، و ما كان فيه، و أنشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار ففعل، فتكلم القوم عند ذلك: أي قال أحد الحيين: قد قال شاعرنا كذا، و قال الآخر قد قال شاعرنا كذا، و تنازعوا و تواعدوا على المقاتلة: أي قالوا: تعالوا نرد الحرب جذعا كما كانت، فنادى هؤلاء يا للأوس، و نادى هؤلاء يا للخزرج، ثم خرجوا إليهم و قد أخذوا السلاح، و اصطفوا للقتال، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم، فقال: «يا معشر المسلمين اللّه اللّه» أي اتقوا اللّه «أ بدعوى الجاهلية» أي و هي يا للخزرج يا للأوس «و أنا بين أظهركم؟ بعد أن هداكم اللّه إلى الإسلام، و ألفكم به، و قطع به عنكم أمر الجاهلية، و استنقذكم به من الكفر؛ و ألف به بينكم؟ فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان، و كيد من عدوهم، فبكوا و عانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، ثم انصرفوا مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم)، فأنزل اللّه تعالى في شاس بن قيس يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً [آل عمران: الآية ٩٩] الآية».
و قد جاء في ذم هذه الكلمة التي هي دعوى الجاهلية، و هي: يا لفلان قوله (صلى اللّه عليه و سلم) «إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه، و لا تكنوا» أي قولوا له اعضض على ذكر أبيك و لا تكنوا عنه بالهن؛ فلا تقولوا على هن أبيك، بل قولوا على ذكر أبيك، تنكيلا له و زجرا عما أتى به: أي و قد كان أنزل اللّه تعالى فيهم