السيرة الحلبية - أبو الفرج الحلبي الشافعي - الصفحة ١٤٤ - باب بدء الأذان و مشروعيته
و أول حدوثه في ملتنا كان بمصر، أمر به أميرها من قبل معاوية مسلمة بن مخلد الصحابي رضي اللّه تعالى عنهما، فإنه لما اعتكف بجامع عمرو سمع أصوات النواقيس عالية، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين بجامع عمرو، ففعل ذلك من نصف الليل إلى قريب الفجر. و مسلمة هذا تولى مصر من معاوية بعد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية رضي اللّه تعالى عنهما، و عتبة تولاها حين مات أميرها عمرو بن العاص، و هذا مما يدل على أن عمرو بن العاص مدفون بمصر، و كان عتبة خطيبا فصيحا.
قال الأصمعي: الخطباء من بني أمية: عتبة بن أبي سفيان، و عبد الملك بن مروان. خطب عتبة يوما أهل مصر فقال: يا أهل مصر خف على ألسنتكم مدح الحق و لا تأتونه، و ذم الباطل و أنتم تفعلونه كالحمار يحمل أسفارا، يثقله حملها و لا ينفعه علمها، و إني لا أداوي داءكم إلا بالسيف، و لا أبلغ السيف ما كفاني السوط، و لا أبلغ السوط ما صلحتم على الدرة، فألزموا ما ألزمكم اللّه لنا تستوجبوا ما فرض اللّه لكم علينا، و هذا يوم ليس فيه عتاب و لا بعده عتاب.
و مما يؤثر عنه: ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم. و قال لبنيه يوما: تلقوا النعم بحسن مجاورتها، و التمسوا المزيد منها بالشكر عليها.
و مسلمة أول من جعل بنيان المنابر التي هي محل التأذين في المساجد، فلما ولي أحمد بن طولون رتب جماعة يكبرون و يسبحون و يحمدون، فلما ولي صلاح الدين يوسف بن أيوب و حمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري و الخروج عما كان يعتقد الفواطم أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة المرشدة، و قد وقفت عليها فإذا هي ثلاث ورقات، و لم أقف على اسم مؤلفها، فواظبوا على ذكرها في كل ليلة.
قيل في سبب نزول قوله تعالى قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النّساء: الآية ٧٨] أن اليهود قالوا في حق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): منذ دخل المدينة نقصت ثمارها، و غلت أسعارها، فرد اللّه تعالى عليهم بقوله قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [النّساء: الآية ٧٨] أي يبسط الأرزاق و يقبضها، و عند ظهور الإسلام و قوته في المدينة قامت نفوس أحبار اليهود و نصبوا العداوة لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فنزل قوله تعالى لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَ ما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ [آل عمران: الآية ١١٨] و قال في موضع آخر إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [آل عمران: الآية ١٢٠].
و عن صفية أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها بنت حيي قالت: كنت أحب ولد أبي إليه و إلى عمي أبي ياسر، و كانا من أكبر اليهود و أعظمهم، فلما قدم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) المدينة غدوا إليه ثم جاءا من العشي، فسمعت عمي يقول لأبي؛ أ هو هو؟ قال: نعم