العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣١ - في شعر ابن ابي ربيعة
فلما تلاقينا عرفت الذي بها # كمثل الذي حذوك النّعل بالنّعل
قال: ما زال يهذي حتى قال الشعر! و قالت العلماء: ما عصي اللّه بشعر ما عصي بشعر عمر بن ابي ربيعة! و ولد عمر بن أبي ربيعة يوم مات عمر بن الخطاب، فسمّي باسمه؛ فقالت العلماء:
أي خير رفع، و أيّ شرّ وضع!ثم إنه تاب في آخر ايامه و تنسك، و نذر للّه أن يعتق للّه رقبة لكل بيت يقوله؛ و انه حج، فبينما هو يطوف بالبيت اذ نظر إلى فتى من نمير يلاحظ جارية في الطّواف؛ فلما رأى ذلك منه مرار، أتاه، فقال له يا فتى، أ ما رأيت تصنع؟فقال له الفتى: يا أبا الخطاب لا تعجل عليّ؛ فإن هذه ابنة عمي، و قد سمّيت لي، و لست أقدر على صداقها، و لا اظفر منها بأكثر مما ترى؛ و انا فلان بن فلان، و هذه فلانة ابنة فلان. فعرفهما عمر، فقال له: اقعد يا ابن أخي عند هذه السارية [١]
حتى يأتيك رسولي. ثم ركب دابته حتى أتى منزل عمّ الفتى، فقرع الباب فخرج اليه الرجل، فقال: ما جاء بك يا ابا الخطاب في مثل هذه الساعة؟قال: حاجة عرضت قبلك في هذه الساعة. قال: هي مقضية. قال عمر: كائنة ما كانت؟قال: نعم!قال:
فإني قد زوّجت ابنتك فلانة من ابن اخيك فلان: قال: فإني قد أجزت ذلك. فنزل عمر عن دابته، ثم أرسل غلاما إلى داره فأتاه بألف درهم فساقها عن الفتى، ثم أرسل إلى الفتى فأتاه، فقال لابي الجارية: أقسمت عليك إلا ما ابتنى بها هذه الليلة!قال له:
نعم فلما أدخلت على الفتى انصرف عمر الى داره مسرورا بما صنع، فرمى بنفسه على فراشه و جعل يتململ [٢] ، و وليدة له عند رأسه، فقالت: يا سيدي، أرقت هذه الليلة أرقا لا أدري ما دهمك؟فأنشأ يقول:
تقول وليدتي لمّا رأتني # طربت و كنت قد أقصرت حينا
[١] السارية: الأسطوانة، و القائمة.
[٢] يتململ: يتقلب على فراشه متألما من مرض أو غم أو نحوهما.