العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٨٢ - بيت لذي الرمة
فإنها هي انتجعتنا. و هذا من التعنّت الذي لا انصاف معه، لان قوله: انتجعي بلالا، إنما اراد نفسه، و مثله في كتاب اللّه تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنََّا فِيهََا وَ اَلْعِيرَ اَلَّتِي أَقْبَلْنََا فِيهََا [١] ، و إنما أراد أهل القرية و أهل العير.
و كان عمر بن الخطاب يقول في بعض ما يرتجز به من شعره:
إليك يعدو قلعا و ضينها # مخالفا دين النصارى دينها [٢]
فجعل الدين للناقة، و إنما اراد صاحب الناقة.
و لم تزل الشعراء في أماديحها تصف النوق و زيارتها لمن تمدحه، و لكن من طلب تعنتا وجده، أو تجنيا على الشاعر أدركه عليه، كما فعل صريع الغواني بالحسن ابن هانئ حين لقيه، فقال له: ما يسلم لك بيت عندي من سقط!قال: فأي بيت أسقطت فيه، قال: أنشدني أي بيت شئت. فأنشده:
ذكر الصّبوح بسحرة فارتاحا # و أملّه ديك الصّباح صباحا
فقال له: قد ناقضت في قولك، كيف يمله ديك الصباح صياحا، و إنما يبشره بالصبوح الذي ارتاح له!فقال له الحسن: فأنشدني أنت. من قولك. فأنشده:
عاصى العزاء فراح غير مفنّد # و أقام بين عزيمة و تجلّد
قال له: قد ناقضت في قولك، إنك قلت:
عاصى العزاء فراح غير مفند
ثم قلت:
و أقام بين عزيمة و تجلد
فجعلته رائحا مقيما في مقام واحد، و الرائح غير المقيم.
و البيتان جميعا مؤتلفان، و لكن من طلب عيبا وجده.
[١] سورة يوسف الآية ٨٢
[٢] الوضين: بطان منسوب بعضه على بعض يشدّ به الرجل على البعير.