العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٠ - اختلاف الناس في أشعر الشعراء
و كان زهير لا يمدح إلا مستحقا، كمدحه لسنان بن أبي حارثة، و هرم بن سنان و هو القائل:
و إنّ أشعر بيت أنت قائله # بيت يقال إذا أنشدته: صدقا
و كذلك أحسن القول ما صدّقه الفعل.
قالت بنو تميم لسلامة بن جندل: مجّدنا بشعرك. قال: افعلوا حتى أقول.
و قيل للبيد: من أشعر الشعراء؟قال: صاحب القروح-يريد امرأ القيس-قيل له: فبعده من؟قال: ابن العشرين-يعني طرفة-قيل له: فبعده من؟قال: أنا.
و قيل للحطيئة: من أشعر الناس؟قال: الذي يقول:
من يسأل الناس يحرموه # و سائل اللّه لا يخيب
يريد عبيد بن الأبرص. قيل له: فبعده من؟فأخرج لسانه و قال: هذا إذا رغب.
و قيل لبعض الشعراء: من أشعر الناس؟قال: النابغة إذا رهب، و زهير إذا رغب، و جرير إذا غضب.
و قال أبو عمرو بن العلاء: طرفة أشعرهم واحدة. يعني قصيدته:
لخولة أطلال ببرقة ثمهد
و فيها يقول:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا # و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد
و أنشد هذا البيت للنبي صلّى اللّه عليه و على آله و سلّم، فقال: هذا من كلام النبوّة! و سمع عبد اللّه بن عمر رجلا ينشد بيت الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد [١]
فقال: ذاك رسول اللّه!إعجابا بالبيت، يعني أن مثل هذا المدح لا يستحقه إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم.
[١] تعشو: يقال عشا النار: أي رآها ليلا فقصدها مستضيئا بها.