العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٠ - يوم زرود الأول
لا نعقل الرّجل و لا نديها # حتى تروا داهية تنسيها
فالتقوا فاقتتلوا فجرحوا غيلان حتى ظنوا انهم قد قتلوه، و رئيس عمرو، كعب بن عمرو، و لواؤه مع ابنه ذؤيت و هو القائل لأبيه:
يا كعب إن أخاك منحمق # إن لم يكن بك مرّة كعب
جانيك من يجني عليك و قد # تعدي الصّحاح مبارك الجرب [١]
و الحرب قد تضطرّ جانبها # نحو المضيق و دونه الرّحب
يوم زرود [٢] الأول
غزا الحوفزان حتى انتهى إلى زورد خلف جبل من جبالها، فأغاروا على نعم كثير صادر عن الماء لبني عبس، فاحتازوه، و أتى الصريخ بني عبس، فركبوا، و لحق عمارة ابن زياد العبسي الحوفزان فعرفه-و كانت أم عمارة قد أرضعت مضر بن شريك، و هو أخو الحوفزان-فقال عمارة: يا بني شريك، قد علمتم ما بيننا و بينكم!قال الحوفزان، و هو الحارث بن شريك: صدقت يا عمارة، فانظر كل شيء هو لك فخذه!فقال عمارة: لقد علمت نساء بني بكر بن وائل أني لم أملأ أيدي أزواجهن و أبنائهن شفقة عليهن من الموت!فحمل عمارة ليعارض النعم [٣] ليردّه، و حال الحوفزان بينه و بين النعم، فعثرت بعمارة فرسه فطعنه الحوفزان، و لحق به نعامة بن عبد اللّه بن شريك فطعنه أيضا، و قال نعامة: ما كرهت الرمح في كفل [٤] رجل قط أشدّ من كفل عمارة!و أسر ابنا عمارة: سنان و شداد، و كان بني عبس رجلان من طيء ابنان لأوس بن حارثة، مجاورين لهم، و كان لهما أخ أسير في بني يشكر، فأصابا رجلا من بني مرة يقال له: معدان بن محرب، فذهبا به فدفناه [٥] تحت شجرة، فلما
[١] في البيت إقواء.
[٢] زورد: رمال بين الثعلبية و الخزيمة بطريق الحاج من الكوفة.
[٣] النعم: الإبل.
[٤] الكفل: العجز للإنسان و الدابّة.
[٥] الدفن: الستر و المواراة.