العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٥٢ - ابن يحيى و جاريتان
شغلت بتغييض الدّموع شمالها # و يمينها مشغولة بعناق
قال: فكتبت إليّ في طومار [١] كبير ليس فيه إلا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، [في أوّله]و في آخره: يا كذاب، و سائر الكتاب أبيض، قال: فوجهت الكتاب إلى ذي الرئاستين الفضل بن سهل. و كتبت إليها كتابا على نحو ما كتبت، ليس فيه إلا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، في أوله، و في آخره أقول:
فودّعتها يوم التفرّق ضاحكا # إليها و لم أعلم بأن لا تلاقيا
فلو كنت أدري أنه آخر اللّقا # بكيت و أبكيت الحبيب المصافيا
قال: فكتبت إليّ كتابا آخر ليس فيه إلا: بسم اللّه الرحمن الرحيم، في أوله، و في آخره: أعيذك باللّه أن يكون ذلك!فوجهته إلى ذي الرئاستين الفضل بن سهل فأشخصني [٢] إلى بغداد و صيّرني إلى ديوان الضياع.
ابن يحيى و جاريتان:
محمد بن يزيد الرّبعي عن الزبير عن عبيد اللّه بن يحيى بن خاقان وزير المتوكل قال:
إنه لما نفاه المتوكل إلى جزيرة أقريطش [٣] فطال مقامه بها، تمتّع بجارية رائعة الجمال بارعة الكمال، فأنسته ما كان فيه من رونق الخلافة و تدبيرها، و كان قبل ذلك متيّما بجارية خلفها بالعراق، فسلا عنها؛ فبينما هو مع الأقريطشيّة في سرور و حبور، يحلف لها أنه لا يفارق البلد ما عاش، إذ قدم عليه كتاب جاريته من العراق و فيه مكتوب:
كيف بعدي لا ذقتم النوم أنتم # خبروني مذ بنت عنكم و بنتم [٤]
بمراض الجفون من خرّد العين # و ورد الخدود بعدي فتنتم [٥]
[١] الطومار: الطامور: الصحيفة.
[٢] أشخصني: أخرجني، بعث بي.
[٣] أقريطش: جزيرة في بحر العرب.
[٤] بنتم: ابتعدتم.
[٥] خرد: جمع خريد: و هي الفتاة العذراء الحييّة.