العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٤٩ - قولهم في النحول
فيا لك من ليل تقاصر طوله # و ما كان ليلي قبل ذلك يقصر
و يا لك من ملهى هناك و مجلس # لنا لم يكدّره علينا مكدّر
يمجّ ذكيّ المسك منها مفلّج # رقيق الحواشي ذو غروب مؤشّر [١]
و ترنو بعينيها إليّ كما رنا # إلى ربرب وسط الخميلة جؤذر [٢]
بروق إذا تفترّ عنه كأنه # حصى برد أو أقحوان منوّر
فلما تقضي الليل إلا أقلّه # و كادت توالي نجمه تتغوّر
أشارت بأنّ الحيّ قد حان منهم # هبوب و لكن موعد لك عزور [٣]
فما راعني إلا مناد برحلة # و قد لاح مفتوق من الصّبح أشقر [٤]
فلما رأت من قد تنوّر منهم # و أيقاظهم قالت أشر كيف تأمر
فقلت: أباديهم فإمّا أفوتهم # و إمّا ينال السيف ثأرا فيثأر
فقالت: أ تحقيقا لما قال كاشح # علينا و تصديقا لما كان يؤثر
فإن كان ما لا بدّ منه فغيره # من الأمر أدنى للخفاء و أستر
أقصّ على أختيّ بدء حديثنا # و ما لي من أن يعلما متأخّر
لعلّهما أن يبغيا لك مخرجا # و أن يرحبا صدرا بما كنت أحصر
فقالت لأختيها أعينا على فتى # أتى زائرا و الأمر للأمر يقدر
فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا # أقلّي عليك اللوم فالخطب أيسر
يقوم فيمشي بيننا متنكّرا # فلا سرّنا يفشو و لا هو يبصر
فكان مجنّي دون ما كنت أتقي # ثلاث شخوص: كاعبان و معصر [٥]
فلما أجزنا ساحة الحيّ قلن لي # أ لم تتّق الأعداء و الليل مقمر
و قلن أ هذا دأبك الدهر سادرا # أ ما تستحي أم ترعوي أم تفكّر
[١] المؤشر: الذي حززت أسنانه خلقة أو صناعة.
[٢] الجؤذر: ولد البقرة الوحشية. و الربرب: القطيع من الظباء و من البقر الوحشي و الانسي.
[٣] عزور: مكان قرب مكة.
[٤] المفتوق: الذي برز و ظهر.
[٥] المجن: الترس. و الكاعب: الفتاة التي نهد ثديها. و المعصر: الفتاة التي بلغت شبابها.