العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣٧ - باب ما غلط فيه على الشعراء
باب ما غلط فيه على الشعراء
و أكثر ما أدرك على الشعراء له مجاز و توجيه حسن، و لكن أصحاب اللغة لا ينصفونهم، و ربما غلطوا عليهم و تأوّلوا غير معانيهم التي ذهبوا إليها؛ فمن ذلك قول سيبويه و استشهد ببيت في كتابه في إعراب الشيء على المعنى لا على اللفظ و أخطأ فيه:
معاوي إنّنا بشر فأسجح # فلسنا بالجبال و لا الحديدا [١]
كذا رواه سيبويه على النصب، و زعم أن إعرابه على معنى الخبر الذي في «ليس» ، و إنما قاله الشاعر على الخفض، و الشعر كله مخفوض، فما كان يضطره أن ينصب هذا البيت و يحتال على إعرابه بهذه الحيلة الضعيفة، و إنما الشعر:
معاوي إنّنا بشر فأسجح # فلسنا بالجبال و لا الحديد
أكلتم أرضنا فجردتموها # فهل من قائم أو من حصيد
أ تطمع في الخلود إذا هلكنا # و ليس لنا و لا لك من خلود
فهبنا أمّة هلكت ضياعا # يزيد أميرها و أبو يزيد
و نظير هذا البيت ما ذكره في كتابه أيضا و احتج به في باب النون الخفيفة:
ثبتّم ثبات الخيزرانيّ في الثّرى # حديثا متى ما يأتك الخير ينفعا [٢]
و هذا البيت للنجاشي، و قد ذكره عمرو بن بحر الجاحظ في فخر قحطان على عدنان في شعر كله مخفوض و هو:
أيا راكبا إمّا عرضت فبلّغن # بني عامر عنّي يزيد بن صعصع
ثبتّم ثبات الخيزراني في الثّرى # حديثا متى ما يأتك الخير ينفع
[١] أسجح: أحسن العفو و تكرم.
[٢] الثرى: الأرض