العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٢٠ - باب من أخبار الشعراء
و كأنما يومي إليك بطرفه # عن جمرتين بجملد منقور [١]
باب من أخبار الشعراء
حدث دعبل الشاعر أنه اجتمع هو و مسلم و أبو الشيص و أبو نواس في مجلس، فقال لهم أبو نواس: إن مجلسنا هذا قد شهر باجتماعنا فيه، و لهذا اليوم ما بعده فليأت كلّ واحد منكم بأحسن ما قال فلينشده. فأنشده أبو الشيص فقال:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخّر عنه و لا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة # حبّا لذكرك فليلمني اللّوم
و أهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممن أكرم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم # إذ كان حظّي منك حظّي منهم
قال: فجعل أبو نواس يعجب من حسن الشعر حتى ما كاد ينقضي عجبه، ثم أنشده مسلم أبياتا من شعره الذي يقول فيه:
فأقسم أنسى الدّاعيات إلى الصّبا # يمينا و قد فاجأت و السّتر واقع
فغطّت بأيديها ثمار نحورها # كأيدي الأسارى أثقلتها الجوامع [٢]
قال دعبل: فقال لي أبو نواس: هات أبا علي، و كأني بك قد جئتنا بأم القلادة.
فقلت: يا سيدي، و من يباهيك بها غيري فأنشدته:
أين الشّباب و أيّة سلكا # أم أين يطلب ضلّ أم هلكا
لا تعجبي يا سلم من رجل # ضحك المشيب برأسه فبكى
يا ليت شعري كيف صبركما # يا صاحبيّ إذا دمي سفكا
لا تطلبا بظلامتي أحدا # قلبي و طرفي في دمي اشتركا
ثم سألناه أن ينشد، فأنشد أبو نواس:
[١] الجلمد: الصخر.
[٢] الجوامع: جمع جامعة: و هي الغل يجمع اليدين الى العنق.