العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢١٥ - البعيث و جملة من الشعراء و الوليد
المستأذن لهم: لو أذنت للبعيث!فلم يأذن له، و قال: ليس كهؤلاء، إنما قال من الشعر يسيرا. قال: و اللّه يا أمير المؤمنين إنه لشاعر. فأذن له، فلما مثل بين يديه، قال: يا أمير المؤمنين. إن هؤلاء و من ببابك قد ظنوا أنك انما أذنت لهم دوني لفضل لهم عليّ. قال: أ و لست تعلم ذلك؟قال: لا و اللّه، و لا علمه اللّه لي، قال: فأنشدني من شعرك. قال: أما و اللّه حتى أنشدك من شعر كل رجل منهم ما يفضحه!فأقبل على الفرزدق، فقال: قال هذا الشيخ الاحمق لعبد بني كليب:
بأيّ رشاء يا جرير و ماتح # تدلّيت في حومات تلك القماقم [١]
فجعله تدلى عليه و على قومه من عل و إنما يأتيه من تحته لو كان يعقل.
و قد قال هذا كلب بني كليب:
لقومي أحمى للحقيقة منكم # و أضرب للجبّار و النقع ساطع [٢]
و اوثق عند المردفات عشيّة # لحاقا إذا ما جرد السّيف لامع [٣]
فجعل نساءه لا يثقن بلحاقه إلا عشية و قد نكحن و فضحن.
و قال هذا النصرانيّ و مدح رجلا يسمى قينا فهجاه و لم يشعر، فقال:
قد كنت أحسبه قينا و أنبؤه # فالآن طيّر عن أثوابه الشّرر
و قال ابن رمية و دفع أخاه إلى مالك بن ربيعيّ بن سلمى فقتل، فقال:
مددنا و كانت ضلة من حلومنا # تبدي إلى أولاد ضمرة أقطعا
فمن يرجو خيره و قد فعل بأخيه ما فعل؟فجعل الوليد يعجب من حفظه لمثالب القوم و قوة قلبه، و قال له: قد كشفت عن مساوئ القوم، فأنشدني من شعرك.
فأنشده، فاستحسن قوله و وصله و أجزل له.
[١] حومات: جمع حومة، و هي اكثر موضع في البحر ماء و أغمره. و القماقم: جمع قمقام، و هو البحر.
[٢] النقع: الغبار الساطع.
[٣] يقال: لمع سيفه، اذا أشار به للانذار؟و هو أن يحركه ليراه غيره فيجره اليه.