العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥ - يوم مقتل الحارق بن ظالم بالخربة
فمكث عندهم حينا، ثم إن الاسود بن المنذر لما اعجزه أمره أرسل إلى جارات كن للحارث بن ظالم، فاستاقهنّ و أموالهن، فبلغ ذلك الحارث بن ظالم، فخرج من الحين فاندس الحارث بن ظالم في الناس حتى علم مكان جاراته و مرعى إبلهنّ، فأتاهنّ فاستنقذهنّ و استاق إبلهنّ، فألحقهنّ بقومهنّ، و اندس في بلاد غطفان، حتى أتى سنان بن أبي حارثة المري-و هو ابو هرم الذي كان يمدحه زهير-و كان الاسود بن المنذر قد استرضع ابنه شرحبيل عند سلمى امرأة سنان و هي من بني غنم بن دودان بن أسد، فكانت لا تأمن على ابن الملك أحدا، فاستعار الحارث بن ظالم سرج سنان و هو في ناحية الشربة [١] ، لا يعلم سنان ما يريد، و أتى بالسرج امرأة سنان و قال لها: يقول لك بعلك ابعثي ابنك مع الحارث، فإني أريد أن استأمن له الملك، و هذا سرجه آية ذلك. قال: فزيّنته سلمى و رفعته إليه فأتى به ناحية من الشربة فقتله، و قال في ذلك:
أ خصيي حمار بات يكدم نجمة # أتوكل جاراتي و جارك سالم [٢]
علوت بذي الحيّات مفرق رأسه # و لا يركب المكروه إلا الأكارم [٣]
فتكت به كما فتكت بخالد # و كان سلاحي تجتويه الجماجم [٤]
بدأت بذاك و انثنيت بهذه # و ثالثة تبيضّ منها المقادم
قال: و هرب الحارث من فوره ذلك، و هرب سنان بن أبي حارثة، فلما بلغ الاسود قتل ابنه شرحبيل، غزا بني ذبيان، فقتل و سبي و أخذ الأموال، و أغار على بني دودان رهط سلمى التي كان شرحبيل في حجرها، فقتلهم و سباهم فنشط لذلك، قال:
فوجد بعد ذلك نعلي شرحبيل في ناحية الشربة عند بني محارب بن خصفة، فغزاهم الملك، ثم أسرهن، ثم أحمى الصفا [٥] ، و قال: إني أحذيكم نعالا فأمشاهم على ذلك الصفا، فتساقطت أقدامهم، ثم إن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، احتمل للاسود
[١] الشّربة: موضع بين السلسلة و الربذة.
[٢] النجمة: واحدة النجم، و هو من النبات ما لا ساق له.
[٣] ذو الحيات: اسم سيف الحارث.
[٤] تجتويه: لا يوافقها
[٥] الصفا: جمع الصفاة، و هو الحجر العريض الأملس.